اسماعيل بن محمد القونوي
26
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( لا يعلمون عظمة اللّه حتى يخشونه حق خشيته ويعلمون أنه الحقيق بأن يخشى ) حتى يخشونه حق خشيته ويعلمون الخ رفع الفعلين لوقوعه بعد النفي على مذهب الأخفش ونصبه الزمخشري اختيار المذهب سيبويه وفي نسخة البيضاوي التي عندنا منصوب أيضا وما ذكر مال إليه أرباب الحواشي والظاهر أن حتى إن جعل حرف جر فالفعلان منصوبان بأن المقدرة وإن جعل حرف ابتداء يكون الفعلان مرفوعين وبعد دخول حتى لا يظهر وجه التعرض لوقوعه بعد النفي . قوله تعالى : [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 14 ] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) قوله : ( لا يقاتلونكم ) أي لا يقدرون على مقاتلكم . قوله : ( اليهود والمنافقون مجتمعين ) اليهود والمنافقون وقتال المنافقين ليس بمنقول إلا أن يقال قتالهم الإغراء على القتال كما يشير إليه المص فحينئذ يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز . قوله : ( بالدروب والخنادق ) بالدروب جمع درب بالدال المهملة وهو الباب الكثير معرب در كما قيل والخنادق جمع خندق وهو معرب أيضا . قوله : ( لفرط رهبتهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو جدار وأمال أبو عمرو فتحة الدال ) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو جدار لأنه أريد به الجنس فيكون في معنى الجمع أو لأن المراد السور الجامع للجدر والحيطان . قوله : بالدروب جمع درب وأصله مضيق في الجبال يقال له بالفارسية دربند قوله وإن تشتت قلوبهم يوهن قواهم لأن القلب مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ثم يسري الفساد منه إلى الروح وفي الكشاف إن تشتت قلوبهم مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم أي على توهين أرواحهم قال الراغب إنما خص الأول بلا يفقهون والثاني بلا يعقلون لأن المعنى خوفهم منكم أشد من خوفهم من اللّه لأنهم يعلمون ظاهره ولا يعرفون ما استتر عليهم منهم والفقيه من يدرك من الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنته وجودة قريحته فلما رهبوا من النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ما لم يرهبوا من اللّه عز وجل صاروا كمن يعرف ما يشهده ويجهل ما يغيب عنه فقيل لا يفقهون أي لا يدركون عظمة اللّه تعالى ويشاهدون جلالة النبي عليه الصلاة والسّلام ولا يعلمون أن ذلك لجلال اللّه تعالى وأما قوله : لا يَعْقِلُونَ [ الحشر : 14 ] جاء بعد قوله : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : 14 ] ومعناه ليس يجمعهم الحق على طريقة واحدة بل هم اتباع هواهم وهم مختلفون باختلاف آرائهم ولو عقلوا الرشد من الغي لاجتمعوا على الحق فاختلافهم لأنهم لا يعقلون ما يدعوا إلى طاعة اللّه تعالى ويهدي إلى الصراط المستقيم فالحق سبيل واحد مستقيم والباطل سبل كثيرة يحمل عليها أهواء متشعبة قال تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] .