اسماعيل بن محمد القونوي

50

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والحال أنه أثبت حقيته بالآيات البينات فمن كان حاله كذلك أصاب ما وعده لا محالة فلا أقل من أن يصيبكم بعضه وهذا تحذير لا تحذير فوقه . قوله : ( وإظهار الإنصاف وعدم التعصب ولذلك قدم كونه كاذبا ) وإظهار الإنصاف حيث ردد بين كونه كاذبا وبين كونه صادقا مع تيقن صدقه وهو بعض مواعده إذ الوعيد دنيوي وأخروي والمراد بالبعض العذاب الدنيوي وفيه نوع كدر إذ أصابه العذاب الآخرة متيقن دون العذاب الدنيوي بالنسبة إلى كل كافر فالأولى العكس أو السلوك إلى طريق الإنصاف . قوله : ( أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو اظهر احتمالا عندهم ) جواب عن الكدر الذي ذكرناه لكن في كونه اظهر احتمالا عندهم منظور فيه فتأمل . قوله : ( وتفسير البعض بالكل كقول لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها مردود لأنه أراد بالبعض نفسه ) تراك فعال للمبالغة في الترك والأمكنة جمع مكان أو ويسلك معهم طريق الانصاف في القول ويأتيهم من جهة المناصحة فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله وادخل في تصديقهم له وقبولهم منه فقال وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشترط فيه ليسمعوا منه ولا يردوا عليه وذلك أنه فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ولكنه أردف يصبكم بعض الذي يعدكم ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا أن يتعصب له أو يرمي بالحصاء من ورائه وتقدم الكاذب على الصادق من هذا القبيل قال صاحب الانتصاف نظيره إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين قدم ما تصدق به المرأة لدفع التهمة وإبعاد الظن ولم يضره تأخير المقصد لهذه الفائدة . قوله : كأنه خوفهم بما هو اظهر احتمالا عندهم وهو صدقه وجه كون احتمال صدقه اظهر عندهم من احتمال الكذب أنهم تيقنوا أنه نبي ولذا خاف فرعون من قتله من أول الأمر بل قال لقومه تعليلا ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى مع كونه سفاكا في أهون شيء على ما ذكر من أن تعلله بذلك دليل على أنه تيقن أنه نبي . قوله : تراك أمكنة البيت أي اترك أمكنة إذا لم أرضها إلى أن يرتبط الحمام بعض النفوس قيل أي كلها وهو يوم القيامة وهذا خطأ لأنه أراد ببعض النفوس نفسه إلى أن يموت من هو مشهور معروف لا يخفى على كل أحد وعليه قوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ البقرة : 253 ] وقال الزجاج قوله بعض الذي يعدكم من لطيف المسائل لأن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إذا وعد وعدا وقع بأسره لا بعضه وحق اللفظ كل الذي يعدكم لكن هذا من باب النظر يذهب فيه المناظر إلى الزام الحجة بأيسر ما في الأمر وليس فيه نفي إصابة ومثله قول الشاعر : قد يذرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل