اسماعيل بن محمد القونوي
40
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو خيانة الأعين ) على أن خائنة مصدر مضاف إلى الأعين كالكاذبة والباقية وإسناد الخيانة إلى الأعين مجاز لأنها فعل صاحبها وكذا إسنادها إلى النظرة مجاز أيضا واعتبار كونها استعارة مصرحة أو استعارة مكنية وتخييلية بجعل النظر بمنزلة شيء يسرق في المنظور إليه ولذا عبر بالاستراق كما قيل تعسف . قوله : ( من الضمائر والجملة خبر خامس ) من الضمائر وهو ما يخفيه الإنسان في قلبه اختار كون ما موصولة أو موصوفة واحتمال المصدرية وإن وافق قوله خيانة الأعين لكن الأول أبلغ لشموله جميع المخفيات والجزاء على إخفاء الصدور باعتبار المخفي فيها والجملة خبر خامس لقوله وهو الذي الخ مثل يلقى الروح قد علل بقوله : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [ غافر : 15 ] ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله : وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] كذا في الكشاف يريد به أنه قريب معنى ولا ضير في بعده لفظا لأن ما ذكر فيما بينهما معترضة . قوله : والجملة خبر خامس أي جملة يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور خبر خامس لهو في قوله : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ [ غافر : 13 ] كما أن يلقى الروح خبر رابع له ولكن قوله : يُلْقِي الرُّوحَ [ غافر : 15 ] قد علل بقوله : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [ غافر : 15 ] ثم استطرد ذكر أحوال يَوْمَ التَّلاقِ إلى قوله : وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] فبعد لذلك عن إخوانه من الأخبار السابقة كذا في الكشاف قال الطيبي رحمه اللّه فهلا لم يقدم على يلقى الروح أو على إخوانه لئلا يحصل هذا البعد قلت لا يخلو إما أن يؤتى به قيل قوله : الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً [ غافر : 13 ] أو بعده ولا يجوز الأول لأن هذا متضمن للتهديد كما قال الكشاف والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل وقال الواحدي يعلم مسارقة النظر إلى ما لا يحل وما تسر القلوب في السر من المعصية واللّه يقضي بالحق فيجزي بالحسنة والسيئة وذلك وارد في الامتنان على ما يوجب الشكر من نعمه وقد سبق اتصاله بما قبله من أن المراد بالآيات هي الآيات السابقة وذلك أنه تعالى لما حكى أحوال المشركين في هذه السورة وأراد أن يشرع في أحوال المخلصين المنيبين على قضية التضاد جعل قوله : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [ غافر : 12 ] وما يتصل به تخلصا إلى ذكرهم معناه هو الذي يريكم آياته جميعا من الآفاق والأنفس ويفصلها ويدبر أمور معاشكم بإنزال الرزق من السماء ومعادكم بالدعوة إلى الدين الخالص ولا يجوز الثاني لأنه إما أن يقدم على رفيع الدرجات أو يؤخر عنه ولا يجوز الأول لأن رفيع الدرجات في الوجه المختار مفسر بمصاعد الملائكة ومهابطها للسفارة بين المرسل والمرسل إليه فهو كالمقدمة لقوله : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] وورودهما عقيب قوله : وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً [ غافر : 13 ] للإيذان بأن الماء كما هو حياة الأرض الميتة كذلك الوحي حياة القلوب الميتة ولا الثاني لأنه إذا لم يجز ذلك فبالطريق الأولى هذا لئلا يتخلل بين المقدمة ولا حقها أجنبي وإنما عقب به قوله : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ وما يتصل به من الاستطراد لمناسبة بينهما لفظا ومعنى أما اللفظ فكلاهما مضارعان وأما المعنى فلدلالة كل منهما على الوعيد والتهديد أما العلم فلما سبق من أن المراد بالخائنة استراق النظر إلى ما لا يحل وأما الوحي فلتصريح تعليله بقوله : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [ غافر : 15 ] الخ .