اسماعيل بن محمد القونوي

300

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره ) فاستدلوا الخ وهذا رد على الزمخشري في تفسير الآية وجعلها دليلا لهم فإنهم تمسكوا بظاهر الآية في أنه تعالى لم يشأ الكفر من الكافر وإنما يشاء الإيمان وغفلوا عما لزم من ذلك وهو وجود ما لم يشأ اللّه وجوده وعدم وجود ما يشاء اللّه تعالى وكلاهما يجب تنزيه اللّه تعالى عنهما توضيح تمسكهم على زعمهم أن الكفار لما ادعوا أنه تعالى شاء منهم الكفر حيث قالوا لو شاء الرحمن الخ أي لو شاء منا أن نترك عبادة الملائكة وهو المناسب للمقام وقيل عبادة الأصنام تركناها رد اللّه تعالى عليهم ذلك وأبطل اعتقادهم بقوله ما لهم به من علم أي فلزم حقيقة خلافه وهو عين ما ذهبوا إليه بناء على أنه معطوف على قوله : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [ الزخرف : 15 ] أو على جعلوا الملائكة إناثا فيكون كفرا آخر ويلزمه كفر القائلين بأن المقدورات كلها بمشيئة اللّه تعالى حتى الكفر والمعاصي وهم أهل السنة فرده المصنف بما حاصله أنه استدلال منهم بنفي مشيئة اللّه عدم العبادة على امتناع النهي عن تلك العبادة أو على حسنها بعنوان أن عبادتهم الملائكة لمشيئة اللّه تعالى فيكون مأمورا بها أو حسنة ويمتنع كونها منهيا عنها أو قبيحة فقوله وذلك الاستدلال باطل لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن لأنها ترجيح بعض الممكنات على بعض حسنا كان أو قبيحا نعلم من ذلك أن مدار استدلالهم أن المشيئة والإرادة تستلزم الأمر فرده المص بما ذكره من أن المشيئة غير الأمر إذ المشيئة ترجيح بعض على بعض والأمر ليس كذلك . قوله : فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها وذلك باطل قال صاحب الكشاف قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات وذلك أنهم نسبوا إلى اللّه أخس النوعين وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد اللّه على اللّه فاستخفوا بهم واحتقروهم قال بعده في تفسير قولهم لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ هما كفرتان أيضا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث وهما عبادتهم الملائكة من دون اللّه وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة اللّه كما يقول إخوانهم المجبرة ثم قال فإن قلت ما أنكرت على من يقول قالوا تم ذلك على وجه الاستهزاء ولو قالوه جادين لكانوا مؤمنين قلت لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين وادعاء ما لا دليل عليه باطل على أن اللّه تعالى قد حكى عنهم على سبيل الذم والشهادة بالكفر أنهم جعلوا له من عباده جزءا أو أنه اتخذ بناتا وأصفاهم بالبنين وأنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثا وأنهم عبدوهم وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء بمكان النطق بالمحكيات قبل هذا المحكي الذي هو إيمان عنده ووجدوا في النطق به مدحا لهم من قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء فبقي أن يكونوا جادين وتشترك كلها كلمات كفر فإن قالوا نجعل هذا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء دون ما قبله فما يهم في أنها إلا تعويج كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لتسوية مذهبهم الباطل ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها هزؤا لم يكن لقوله تعالى : ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ الزخرف : 20 ] معنى لأن من قال لا إله إلا اللّه على طريق الهزء كان الواجب أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب لأنه لا يجوز تكذيب الناطق