اسماعيل بن محمد القونوي

301

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( ولذلك جهلهم فقال : ما لَهُمْ بِذلِكَ [ الزخرف : 20 ] الآية ) جهلهم في استدلالهم هذا فليس قوله : ما لَهُمْ بِذلِكَ [ الزخرف : 20 ] من علم بيانا لكفرهم في مقالتهم هذه كما ذهب الزمخشري ترويجا لمذهبهم الباطل إذ هو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة والأول بيان لكفرهم وهذا بيان لدليلهم الباطل ثم تزييفه له لإتيانه ببعض ما كفروا به قيل وهذا بناء على أن المشيئة لا بد أن يتعلق بأحد طرفي الوجود والعدم البتة فإذا لم يتعلق بعدم العبادة يتعلق بالعبادة فيصح الاستدلال المذكور به فصار الحاصل أن الإنكار المستفاد من قوله ما لهم به من علم متوجه إلى جعل المشركين ذلك دليلا على امتناع النهي عن عبادتهم أو على حسنها لا إلى هذا القول فإنه كلمة « 1 » حق لكن بالحق جادا كان أو هازئا ثم قال فإن قلت ما قولك فيمن يفسر ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات اللّه من علم إن هم إلا يخرصون في ذلك القول لا في تعليق عبادتهم بمشيئة اللّه قلت تمحل مبطل وتحريف مكابر إلى هنا كلامه قد أطال الزمخشري الكلام ههنا تهالكا على التعصب لأهل السنة والجماعة في قولهم الشرور بمشيئة اللّه تعالى استدل بظاهر هذه الآية على أن الكفر من الكافر ليس بمشيئة اللّه تعالى لأنه تعالى كذبهم بقوله : ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ الزخرف : 20 ] في جميع ما حكاه عنهم بقوله : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [ الزخرف : 15 ] وقوله : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] وقوله : وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 20 ] فقولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم داخل في جملة ما ليس لهم بذلك من علم وما يخرصون فإن لفظ ذلك إشارة إلى جميع ما حكي عنهم فيلزم أن يكون هذا أيضا من أكاذيبهم فالجواب عنه من قبل أهل السنة أن التكذيب في الأخير ليس راجعا إلى منطوقه الصريح بل هو راجع إلى مؤداه وما يستلزمه على ما رواه الواحدي عن صاحب النظم أن هذا القول حق وإن كان من الكفار وهذا كقولهم لو شاء اللّه ما عبدنا من دونه من شيء وإن جعلت قوله ما لهم بذلك من علم رادا لقولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم كان المعنى أنهم قالوا إن اللّه قدرنا أي جعلنا قادرين على عبادتها فلا يعاقبنا عليها لأنه رضى بذلك منا وهذا كذب منهم لأن اللّه تعالى وإن أراد كفر الكافر فإنه لا يرضاه وتقديره الكافر على الكفر لا يكون عن رضى منه وقال صاحب الانتصاف هذه الآية تزيد معتقدنا تمهيدا وقول الكافر لو شاء اللّه ما فعلت كلمة حق يريد بها باطلا إما أنها كلمة حق فلقوله تعالى : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ النحل : 93 ] وأمثالها وإما إرادته بها الباطل فزعمه أنها حجة له على اللّه سبحانه وتعالى في أن لا يعاقبه وإنما رد اللّه في هذه الآية احتجاجهم فإن مقالتهم صدرت عن ظن كاذب وتخرص فلذلك قال : إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ الزخرف : 20 ] كما قال في أختها في سورة الأنعام قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ فشبه حالهم في الخرص واتباع الظن بحال أوائلهم وبين أن مقالتهم ناشئة عن خيال وتوهم فلا حجة فيها على اللّه تعالى بل للّه الحجة البالغة عليهم وبين أن

--> ( 1 ) قوله كلمة حق الخ إشارة إلى جواب وهم الزمخشري من أنه لو كانت كلمة حق نطقوا بها هزءا لم يكن لقوله تعالى : ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ معنى لأن من قال لا إله إلا اللّه على طريق الهزء كان الجواب أن ينكر استهزائهم ولا يكذب لأنه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جادا كان أو هازلا انتهى فأشار إلى الجواب بأنه الإنكار متوجه إلى جعل المشركين دليلا على امتناع النهي على العادة كما أوضحناه .