اسماعيل بن محمد القونوي
261
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بيان لما في نفس الأمر لأن مجرد الغلبة لا تكفي في إسناده إلى الجميع بدون ملاحظة وقوع الكفران فيما بينهم كيف لا وقد اشترط بعضهم الرضاء وإن لم يسلم عند المص وهذا كالصريح بأن المراد بالجنس الاستغراق فكيف ينكر من أنكره ويلزمه إنكار ما في سورة مريم كما مر « 1 » وقد علم مما ألقينا إليك أن قوله وهذا وإن اختص الخ إشارة إلى الكفران دون الفرح معه إذ المراد بالفرح الشكر والثناء دون العجب والخيلاء بقرينة قوله كفور نعم إن فسر الفرح بالبطر ونحوه من الخصال الذميمة تكون الإشارة إلى الفرح والكفران . قوله : ( وتصدير الشرطية الأولى بإذا والثانية بأن لأن إذاقة النعمة محققة ) كالصحة وسعة ذات اليد والأمن وفي التعبير بالإذاقة تنبيه على تحققه لإشعارها بشدة الإصابة . قوله : ( من حيث إنها عادة مقضية بالذات بخلاف إصابة البلية ) وهي المراد من السيئة « 2 » كالمرض والفقر والخوف من الأعداء فإن إصابتها مقضية بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا وعبر في الشرطية الأولى بالرحمة مع أن المناسب للمقابلة الحسنة كما في بعض المواضع للإشارة إلى أن إصابة الحسنة تفضل من اللّه تعالى ورحمة وأما السيئة فبكسب العبد ولذا لم يذكر في الرحمة بما قدمت أيديهم . قوله : ( وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع الضمير في الثانية ) والجزاء فيكفرون « 3 » وعلة الجزاء قوله فإن الإنسان كفور ووضع الظاهر وهو الإنسان موضع المضمر وهو فإنه لسبق ذكر الإنسان . قوله : ( للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة ) وجه الدلالة هو أن ذكر الجنس مع أن المقام مقام المضمر لنكتة والنكتة المناسبة هنا ما ذكره المص كون هذا كلامه فالتعريف في الإنسان الأول في قوله وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ للعهد وفي الثاني للجنس والقرينة الدالة على العهد قوله بما قدمت أيديهم والمعهود الكفار المخاطبون لترتب قوله فإن اعرضوا على قوله : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ [ الشورى : 47 ] فهو من إقامة المظهر مقام المضمر للإشعار بتصميمهم على الكفران والايذان بأنهم لا يزعمون عما هم فيه وافراد الضمير في فرح وجمع في وإن تصبهم وعم في أن الإنسان لكفور لمفهوم واحد على الترقي يعني ليس ببدع من هذا الإنسان المعهود الإصرار على الكفران لأن هذا الجنس موسوم بكفران النعم فجعل لام التعريف في الإنسان الثاني المطلق دليلا على ذم هذا المقيد ولذلك قال ليسجل وهذا هو المراد بقوله رحمه اللّه وإقامة علة الجزاء مقامه إلى آخره يعني أصل جزاء أن تصبهم سيئة أن يقال كفروا لكن حذف الجزاء وأقيم دليله وهو فإن الإنسان كفور مقامه ووضع الظاهر مع موضع الضمير للتعليل والمعنى إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم كفروا بنعم اللّه لأن جنس الإنسان مركوز في طبائعهم الكفران .
--> ( 1 ) من قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ [ مريم : 66 ] الآية . ( 2 ) لا السيئة بمعنى المعصية . ( 3 ) وقيل ما أشار إليه المصنف من قوله ينسى النعمة ويذكر البلية .