اسماعيل بن محمد القونوي

26

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أمواتا أولا أي من غير سبق حياة حيث خلقتنا نطفا ثم علقا ثم مضغة ثم لحوما وعظاما بمعنى قدرت خلقنا هكذا أو خلقت اجزاءنا الأصلية مجازا أو خلقت مبدأنا ثم صيرتنا أمواتا بعد ما صيرتنا أحياء . قوله : ( فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء ) فتكون الإماتة في الموضعين واحدا حقيقيا كما هو ظاهر كلامه ويرد عليه أن اطلاق الميت على الجماد يلزم أن يكون حقيقة ولم يقل به أحد وأنه مخالف لما مر منه في قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] الآية . قوله : ( أو بتصيير كالتصغير والتكبير ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل ) كالتصغير والتكبير في جواز اطلاق الابتدائي والتصيير ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض الخ استدلال على اطلاق التصغير والتكبير على الابتدائي والمعنى سبحان من جعل البعوض صغيرا مع أنه خلقه صغيرا ابتداء لا أنه خلقه كبيرا ثم جعله صغيرا وكذا الكلام في قوله وكبر الفيل فكما يصح هذا يصح ذلك ولا كلام في صحة ذلك وإنما الكلام في كون ذلك حقيقة فيهما وكذا ضيق فم البئر وقد ذهب السكاكي تبعا للزمخشري كما بينه قدس سره في شرح المفتاح بما حاصله أنه جعل السعة المجوزة في المثال الثاني كالواقعة ثم أمر بتغييرها إلى التضييق وحاصله أنه جعل الممكن الذي يجوز إرادته بمنزلة الواقع وجعل أمره بإنشائه على الحالة الثانية بمنزلة أمره بنقله عن غيرها وتغييرها منها ولذا جعله بعضهم بمنزلة الاستعارة بالكناية فيكون مجازا مرسلا بالكناية كذا نقله بعضهم والمجاز المرسل بالكناية غير متعارف عندهم وهنا كلام طويل ليس في ذكره كثير طائل والأولى في ذلك المعنى والجمع بين معنيي اللفظ المشترك في اطلاق واحد إن كان حقيقة فيهما اللهم إلا أن يصار إلى عموم المجاز وفي الكشاف فإن قلت كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة قلت كما صح أن تقول سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل وقولك للحفار ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر ولا من ضيق إلى سعة ولا من سعة إلى ضيق وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد من غير ترجح أحدهما وكذلك الضيق والسعة فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر فجعل صرفه عنه كنقله منه وهذا هو معنى قوله رحمه اللّه وإن خص بالتصيير فاختيار الفاعل المختار أحد مقدوريه تصيير وصرف له عن الآخر وقال صاحب الكشاف في تفسير اثنتين إماتتين أو إحياءتين أو موتتين وحياتين وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا وإماتتهم عند انقضاء آجالهم وبالإحياءتين الإحياءة الأولى وإحياءة البعث وناهيك تفسيرا لذلك قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ البقرة : 28 ] ثم قال : ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه اثبات ثلاث إحياآت وهو خلاف ما في القرآن إلا أن يتمحل فيجعل أحدها غير معتد بها أو يزعم أن اللّه يحييهم في القبور وتسمى بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها ويعدهم في المستثنين من الصعقة في قوله : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ النمل : 87 ] إلى هنا كلامه .