اسماعيل بن محمد القونوي
253
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وهو لا يخالف وصفهم بالغفران فإنه ينبئ عن عجز المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم والحلم على العاجز محمود وعلى المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي ثم عقب وصفهم بالانتصار بالمنع عن التعدي فقال : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ [ الشورى : 40 ] الآية ) وهو لا يخالف وصفهم بالغفران جواب سؤال مقدر وتقريرهما واضح وحاصل الجواب أنهما في محلين مختلفين فالعفو عن العاجز المعترف بإساءته وإن لم يستعف فهو ممدوح حسبما وافق الشرع والانتقام من الخصم الألد فلا تناقض لاختلاف المحل والمكان فكل منهما عام خص منه البعض وقيل والأوجه أن لا يحمل الكلام على التخصيص بل على التقوى أي يفعلون المغفرة تارة والانتصار أخرى لا دائما ليتناقض فلا تناقض لاختلاف الزمان وهذا ضعيف إذ الانتصار من الخصم المشاغب محمود دائما وتركه ليس بمستحسن والعفو عن العجزة ممدوح سرمدا قوله لأنه إجراء وإغراء على البغي شاهد عليه وأما في العاجز فالعفو ليس بإغراء على البغي لعجزه وإنما صدر ما صدر من البغي إما اتفاقا أو سهوا أو اتباعا للغير لكن الأحسن ما أشرنا إليه آنفا من أن العفو حسبما ساعده الشرع ويؤيده التعبير ب إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ والانتقام حيث يقتضيه الشرع الانتقام ولا يساعد الشرع تركه سواء كان خصما قويا أو ضعيفا قوله لأنه إجراء وإغراء الخ لا يلائم قوله تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [ فصلت : 34 ] إلى قوله كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ فصلت : 34 ] فإن المستفاد منه أن إحسان المسئ فضلا عن العفو يدفع الخصومة ويورث المودة ويرفع الفتنة سواء كان المسئ خصما قويا قادرا على المقاومة أو لا فالأحسن في التوفيق بين النصوص أن يقال ما ذكرناه من أن العفو والانتقام حسبما ساعدهما الشرع ولو بطريق الإباحة ممدوحان وحيث لا يوافق الشرع بوجه ما مذمومان قوله ثم عقب وصفهم الخ إشارة إلى ارتباطه بما قبله . قوله : وهو لا يخالف وصفهم بالغفران الخ يعني أن ظاهر قوله : إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [ الشورى : 39 ] يدل على أنهم وقت إصابة البغي من العدو وهو وقت الغضب ينتقمون ولا يغفرون وقوله : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ الشورى : 37 ] دال على أنهم وقت الغضب يغفرون ولا ينتقمون وهذا يوهم بحسب الظاهر أن يوصفوا في وقت واحد بوصفين متنافيين وحاصل ما ذكره من التلفيق أن غفرانهم وعفوهم إنما هو للخصم العاجز دون المقاوم وانتقامهم وعدم مغفرتهم للمقاوم لا للعاجز فاختلفت جهتا الغفران وعدم الغفران فلا تنافي بينهما ومثله أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] فهو من باب التكميل وفي الكشاف هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله اللّه لهم ولا يعتدوا قال الطيبي يعني دل التركيب على مزيد الاختصاص بالانتصار وذلك لمجيء الضمير وايقاعه مبتدأ وإسناد ينتصرون إليه ومثله وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وعليه قول الشاعر : جلوس في مجالسهم رزان * وإن ضيف ألم فهم خفوف ويبعد أن يجعل من باب تقوي الحكم لأنه إذا قيل هم يغفرون البتة فهم أنهم لا يتجاوزون إلى الانتصار وإذا قيل هم ينتصرون قطعا فهم أنهم لا يغفرون البتة .