اسماعيل بن محمد القونوي
254
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 40 ] وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) قوله : ( وسمى الثانية سيئة للازدواج أو لأنها تسوء لمن تنزل به ) للازدواج أي للمشاكلة أو استعارة لكونه في صورة السيئة سمى سيئة مجازا قوله أو لأنها تسوء الخ فيكون حقيقة لكن المراد بالسيئة ما يقابل الحسنة وهي ما خالف الشرع وجزاؤها ليس بسيئة بهذا المعنى فالاكتفاء بالوجه الأول هو المعول والقول بأن كون المراد بالأولى ما يقابل الحسنة لا ينافي الوجه الثاني ضعيف لأن السيئة حينئذ لا تكون على سنن في الموضعين . قوله : ( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ [ الشورى : 40 ] بينه وبين عدوه عدة مبهمة تدل على عظم الموعود ) فمن عفى عن المسئ إليه ولم ينتقم مع أن هذا العفو مما لا يخالف الحدود قوله بينه وبين بإزالة العداوة وتحصيل المودة بسبب العفو المشروع ولو أتى بالفاء في أصلح لكان ظهر دلالة على ما ذكرناه لكن أحيل ذلك إلى دلالة العقل الفاء في فمن عفى لتفصيل المجمل السابق من قوله وجزاء سيئة الخ فإنه يشعر بأن ترك الانتصار أولى إذ مراعاة المماثلة مشكل فتركه حيث كان مشروعا كفعله أحسن لخلاص التعدي بالمرة قوله عدة مبهمة الخ وأيضا التعبير بالأجر وصيغة على يدل على عظم الموعود كيفا وكما . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 41 إلى 42 ] وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) قوله : ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام بعد ما ظلم وقد قرىء به بالمعاتبة والمعاقبة يبتدئونهم بالإضرار أو يطلبون ما لا يستحقونه تجبرا عليهم على ظلمهم وبغيهم ) إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ سلب كلي لا رفع إيجاب الكلي وهو بمفهومه عام ولذا قال المبتدئين بالسيئة الخ مع أن كونه تعليلا لما قبله يؤيد كون المراد المتجاوزين في الانتقام كأنه قيل العفو المشروع وإصلاح ذات البين به أحسن لأنه تعالى لا قوله : أو لأنها تسوء لمن تنزل به قال الطيبي بل تسوء المجازي لأن القصد هو تحريض للعفو والتجاوز فسمي الجزاء بالسيئة تهجينا فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين لا من باب المشاكلة وذلك أنه تعالى لما أثبت لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ الشورى : 36 ] صفتين وإن حالهم تارة إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وأخرى إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ أرشدهم إلى خير الفضيلتين وأولى الحسنتين فقال : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ولهذا ختم الآيات بقوله : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ الشورى : 43 ] أي لمن معزومات الأمور ومن شيم أولي العزم من الرسل في النهاية العزم يجيء لمعنيين بمعنى الجد والصبر وبمعنى الفرائض . قوله : المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام قال الزمخشري في قوله إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السوية والاعتداء خصوصا في حال الحر والتهاب الحمية فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر إلى هنا كلامه فعلى هذا يكون