اسماعيل بن محمد القونوي
145
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والعلاقة كون كل منهما سببا للهلاك مطلقا فالأول سبب للهلاك الحسي والثاني للهلاك المعنوي وإسناد الاستحباب إليهم لكونهم كاسبين له وقد عرف في موضعه أن الإسناد إلى الكاسب حقيقة فلا يتم استدلال المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال لأن قوله : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى دل على أنهم بأنفسهم آثروا العمى وهذا ذهول عما ذكرناه من أن العبد كاسب واللّه تعالى خالق وإن فعل العبد متعلق القدرتين إذ قدرة اللّه تعالى مؤثرة وقدرة العبد شرط عادي لتأثير قدرة اللّه تعالى وبهذا المعنى لها مدخل ما في حصول الفعل الاختياري للعبد وتمام البحث في علم الكلام وفي المقدمات الأربع لصاحب التوضيح في التوضيح وفي قوله اختاروا رد على الكشاف حيث قال في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة اللّه تعالى هي المؤثرة وإن لقدرة العبد مدخلا ما فإن المحبة ليست باختيارية بالاتفاق وإيثار العمى حبا وهو الاستحباب من الاختيارية كذا نقله الفاضل المحشي وكون المحبة غير اختيارية محبة حقيقية وهو ميل القلب إلى الشيء لكمال أدرك فيه بسبب من الأسباب وقد يكون سببا اختياريا وبهذا الاعتبار يكون ممدوحا ومذموما مأمورا به ومنهيا عنه كالإيمان فإنه غير اختياري مع أنه مأمور به بسبب تعاطيه إلى سببه الاختياري المؤدي إلى الإيمان وكذا المحبة وقد يراد بها لازمها وهو الطاعة وهذا هو المراد بمحبة الرسول عليه السّلام فإنا نحن مكلفون بمحبته بهذا المعنى المجازي المسمى بالمحبة الشرعية وعليه حمل قوله عليه السّلام لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين « 1 » وكذا معنى محبة اللّه تعالى الطاعة ومعنى محبة اللّه تعالى إيانا فإرادة الخير والرضاء وفي الآخرة اللقاء والإسكان في الدرجات العلى « 2 » فمن حصل له محبة حقيقية مع الطاعة له فقد أحرز مقاما سنيا واستكمل إيمانه استكمالا قويا ولذا قال عليه السّلام لعمر حين قال له عليه السّلام حصل لي محبة طبيعية بملازمة محبة شرعية بحيث كنت أحب إلي مذهبهم بهذه الآية لدلالتها على أن ثمودا حين هداهم اللّه ودلهم على الخير اختاروا من عند أنفسهم الباطل على الحق قال الطيبي في حق ما قال صاحب الكشاف هنا انطقه اللّه الذي انطق كل شيء نبه أهل السنة على اللائمة التي تلزمهم والحجة التي تبهرهم يعني أن اسم القدرية يقال لمن يثبت لغير اللّه قدرة مستقلة ولذلك شبه رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم القدرية بالمجوس الذين يثبتون قادرين فاعلين فاعل خبر محض وفاعل شر محض ويسمون الأول بيزدان والثاني بأهرمن فالمعتزلة أولى باسم القدرية لأنهم يثبتون للعبد قدرة على الخلق والايجاد حيث يقولون العبد خالق لجميع أفعاله وقال الإمام شرع صاحب الكشاف ههنا في سفاهة عظيمة والأولى أن لا يلتفت إليه لأنه وإن كان قد سعى سعيا حسنا فيما يتعلق بالألفاظ إلا أنه كان بعيدا من هذه المعاني .
--> ( 1 ) كذا قاله المصنف في تفسير قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الآية . ( 2 ) والمراد بالسماء جانب العلو فإن ما علاك فهو سماء لا يراد بها هنا الفلك .