اسماعيل بن محمد القونوي
13
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم فوضع فقد كذبت موضعه ) وعلى الأخيرين أي على تقدير كون يرزقكم مستأنفا ولم يكن صفة ولا مفسرا على شريطة التفسير والمعنى على النفي فيقتضي عدم جواز اطلاق لفظ الخالق على غير اللّه تعالى بخلافه على الوجوه الباقية فإن معناه لا خالق يرزق غير اللّه المختص مجموع الخالقية والرازقية أو الرازقية فيكون غيره خالقا كما قالت المعتزلة من أن العبد خالق لأفعاله فجوزوا اطلاقه على غيره تعالى هذا مراد المصنف ولا يخفى ما فيه لما عرفته من أن المراد نفي الخالقية عن غيره مطلقا وقيد يرزقكم لمناسبة قوله : ما يَفْتَحِ اللَّهُ [ فاطر : 2 ] فلا مفهوم والا يلزم كون المختص مجموع الخالقية والرازقية من السماء والأرض فيكون غيره خالقا ورازقا ولم يقل به أحد فما هو جوابكم فهو جوابنا وأيضا قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ فاطر : 3 ] بيان أنه المستحق للعبادة وحده وأنه استئناف سيق لتقرير النفي المستفاد منه وتكميل لدفعه ما يوهمه الاستفهام وهو ما ذكره المصنف ولما كان هذا ناطقا بنفي الوجود رأسا دل على أن ما قبله الوصف والتفسير فقد تقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض وخرج من الإطلاق فكيف يستشهد به على اختصاصه بالإطلاق أي كيف يستشهد به على اختصاص اللّه تعالى بإطلاقه عليه وقد تقيد بقيد يرزقكم قال الطيبي أن المعنى ليس خالق سوى اللّه موجودا فاتجه لسائل أن يقول لم لم يكن غيره خالقا فقيل لأنه يرزقكم من السماء والأرض لأن الخالق ينبغي أن يكون رازقا فإن صفة الرازقية كالتتميم للخالقية هذا هو الوجه الفصيح القوي وعليه مذهب أهل الحق إلى هنا كلامه وهذا هو اختيار الوجه الثالث قال صاحب الانتصاف القدري يقول يعم خالق غير اللّه وكل أحد عندهم يخلق ولذا وسع الدائرة وأتى بالأوجه النافرة والذي يحقق الوجه الثالث المانع من إطلاق الخالق على غير اللّه أن المخاطبين مشركون إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض قالوا اللّه وإذا سئلوا من يرزق منهما قالوا اللّه فقرعوا بإقامة الحجة عليهم بإقرارهم ولو كان كما قال الزمخشري لكان مفهومه إثبات خالق غير اللّه لكن لا يرزق وهؤلاء الكفرة قد تبرؤوا منه فلا وجه لتقريعهم بما يلائم قولهم وأيضا فإن يرزقكم ولا إله إلا هو جملتان سيقتا مساقا واحدا والثانية مفصولة اتفاقا فكذا الأولى إلى هنا كلامه يعني أن هاتين الجملتين سيقتا مساق التذييل على وجه التتميم مفيدتان أن الخالق كما كان ينبغي أن يكون رازقا كذلك ينبغي أن يكون واحدا فيفيد أن إن الخالق يلزمه أن يكون رازقا واحدا فتبطل الآية قول المعتزلة بأن غير اللّه خالق وقول المشركين بأن دون اللّه إلها فبهذا التحقيق يصلح الآية تقريعا للمشركين وهو المط وقد أحسن صاحب الانتصاف في تحقيقه هذا وأجاد رحمه اللّه حيث نظر إلى النظم . قوله : فوضع فقد كذبت موضعه يعني أن من حق الجزاء أن يتعقب الشرط وهذا الجزاء سابق على الشرط فكيف يكون اللاحق سببا للسابق والسبب يجب أن يكون متقدما على المسبب فلا بد له من تأويل وتأويله أن قوله : فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [ فاطر : 4 ] ليس جزاء الشرط بل هو قائم مقام الجزاء والجزاء في الحقيقة فتأس بهم بالصبر على تكذيب الرسل فوضع فقد كذبت رسل من قبلك موضع فتأس استغناء بالسبب الذي هو تكذيب الرسل عن المسبب الذي هو التأسي ومثال الآية قولك إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس وخلاصة الجواب أن الجزاء مبني على الاخبار والتنبيه على التأسي والتسلي كما أن المثال فيه تنبيه على معنى الاعتداد .