اسماعيل بن محمد القونوي
81
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها ) أي الفاء الأولى إذ الثانية تفسيرية أو عاطفة فالمعنى فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [ العنكبوت : 56 ] أشير إليه في الكشاف قوله إن لم تخلصوا العبادة شرط محذوف الأولى إذا لم يسهل كما قال أولا وكون الجواب فأخلصوها لا يكون قرينة عليه فإنه إشارة إلى الحصر المستفاد من تقديم المفعول وليس كذلك ظرف الشرط وقدم المفعول للتعويض عن الشرط المحذوف لوقوعه موقعه وجملة الشرط مستأنفة استئنافا معانيا أو نحويا فلا فاء فيه وقد عرفت أن الثانية تفسيرية إذ التقدير فإياي فاعبدوا فَاعْبُدُونِ [ العنكبوت : 56 ] لأن الفاء يمنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها فلا بد من تقدير الفعل الناصب إياي مع أن المذكور أحد مفعوله . قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 57 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) قوله : ( تناله لا محالة ) أشار إلى أن الذوق استعارة شبه الموت وهو مفارقة الروح عن البدن بالطعام وأثبت له الذوق استعارة تخييلية أو الذوق استعير من إدراك الطعوم بإدراك مرارة الموت استعارة مصرحة وهو المناسب لقوله تناله وعبر بالمضارع للتنبيه على أن اسم الفاعل للمستقبل الذي للاستمرار قوله لا محالة إذ الجملة الاسمية للتأكيد والمراد بالنفس الروح « 1 » . قوله : ( للجزاء « 2 » ومن هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له وقرأ أبو بكر بالياء ) للجزاء خيرا كان أو شرا قوله ومن هذا عاقبته الخ إشارة إلى ارتباطه بما قبله وترغيبا المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص والتقدير فإياي فاعبدوا فاعبدون ولا يجوز أن يكون إياي معمولا لهذا المذكور لأنه مشتغل عنه بضميره فوجب التقدير بمفسر فالعامل المقدر هو فاعبدوا والفاء الأول جواب شرط محذوف والثانية كذلك لكن أنيب منابه تقديم المفعول فالمعنى يا عبادي إن أرضي واسعة وإذا كان كذلك فأخلصوا إلي العبادة أينما كنتم إن لم تمكنوا من الإخلاص في أرض فأخلصوا في أرض تتمكنون منه فيها ومعنى الإخلاص والاختصاص مستفاد من تقديم المفعول فإن التقديم يفيد الاختصاص والاختصاص يفيد الإخلاص وبالعكس لأن معنى تخصيص المعبود بالعبادة نفي الإشراك الغير فيها وهو عين الإخلاص لأن معنى الإخلاص جعل العبادة خالصة عن شوب الغير مفعولة لوجه اللّه قال الزجاج إياي منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي إياي فاعبدوا فاعبدون ولا يجوز انتصابه بالمذكور لأنه مشغول بضميره فإذا قلت فإياي فاعبدوا فإياي منصوب بما بعد الفاء ولا تنصبه بفعل مضمر كما إذا قلت يزيد فامرر فالباء متعلقة بأمرر وإذا قلت زيدا فاضرب فالفاء لا يصلح إلا أن يكون جوابا للشرط كأن قائلا قال إني لا أضرب عمرا ولكني أضرب زيدا فقلت إن لم تضرب عمرا فاضرب زيدا ثم قلت زيدا فاضرب فجعلت تقديم الاسم بدلا من لفظك بالشرط كأنك قلت إذا كان الأمر على ما تصف فاضرب زيدا هذا مذهب جميع البصريين إلى هنا كلام الزجاج .
--> ( 1 ) وفيه دليل على أن الروح لا تموت بموت البدن كذا قاله ابن كمال في سورة آل عمران . ( 2 ) وكلمة ثم للتراخي الزماني لا للتراخي الرتبي إذ الحقيقي ممكن أشار إليه المص بقوله للجزاء .