اسماعيل بن محمد القونوي
8
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمَنَّا هذا احتمال آخر معطوف على تركهم أي أو المعنى احسبوا أنفسهم الخ فحينئذ المفعول الأول ضمير الناس ظاهره أنه محذوف ولا يلائمه قوله آنفا اقتضى مفعولين متلازمين وفي الارشاد لأن قوله تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] الآية في قوّة أن يقال احسبوا أنفسهم متروكين الخ فأشار إلى أن هذا القول يسبك منه المفعولان للحسبان فلا حذف حينئذ لكن استفادة أنفسهم من هذا القول غير ظاهر والضمير في أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] وإن رجع إلى الناس لكنه نائب الفاعل ليتركوا والقول بأن هذا القدر يكفي في سده مسد مفعوليه حيث فهم الناس وأنفسهم وإن كان نائب الفاعل ويؤخذ منه أنفسهم بلا اعتبار حذف خلاف الظاهر فالأولى أن المصنف أشار به إلى جواز الاقتصار على أحد المفعولين كما جوزه في سورة آل عمران كما هو عادته حيث كان يشير إلى وجه آخر بعد تصريحه بالوجه « 1 » قوله متروكين بمعنى أن يتركوا لأنه في تأويل المصدر وهو بمعنى اسم المفعول والظاهر من كلام المصنف أن الترك بمعنى التجلية والزمخشري جعله بمعنى صير فحينئذ يكون قوله : أَنْ يَقُولُوا [ العنكبوت : 2 ] سادا مسد مفعوليه كما صرح به ابن كمال لكن الزمخشري جعله علة فالمفعول الثاني محذوف وهو على ما هم عليه والمفعول الأول نائب الفاعل ولا يمكن حمل كلام المصنف عليه في الوجه الثاني « 2 » . قوله : ( بل يمتحنهم اللّه تعالى ) أي بل يعامل معاملة الممتحنين أشار به إلى أن المراد بالفتنة الامتحان . قوله : ( بمشاق التكالف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات والورع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه ) بمشاق التكاليف أي التكاليف الشاقة . قوله : ( ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات ) عليها أي على مشاق التكاليف أو الصبر عنها بالنسبة إلى الشهوات قد مر التفصيل في وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [ القصص : 80 ] على الطاعات وعن المعاصي قاله المصنف وأجمل هنا فقال بالصبر عليها . قوله : ( فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص عن الخلود في العذاب ) فإن مجرد تعليا لما قبله أي النيل إلى الدرجات يكون بالصبر على التكاليف لا بمجرد الإيمان بمقتضى الوعد . قوله : ( روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين وقيل في
--> ( 1 ) لكن حينئذ لا يكون أن يتركوا سادا مسد المفعولين مع أنه لا يكون سادا مسدهما في التفسير الأول فحينئذ يكون قوله تعالى : أَنْ يُتْرَكُوا ساد مسد المفعولين ضائعا فالأولى ما أشير إليه في الإرشاد واللّه رؤوف بالعباد . ( 2 ) لما عرفت أن قوله تعالى : أَنْ يُتْرَكُوا ليس سادا مسد المفعولين فيه مع أنه لم يكن في الوجه الأول أيضا على ما اختاره السعدي فيكون قوله أَنْ يُتْرَكُوا سادا مسد المفعولين ضائعا .