اسماعيل بن محمد القونوي
542
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يفوت به المبالغة وحمل النفس على معناها المتبادر لأنها المعذبة بالذات لأنها الجاهلة بالذات وجهالة الذات بالواسطة وأمارة بالسوء أي مرغبة بالسوء مزينة له وهذا معنى الأمر هنا . قوله : ( وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي فإن الاهتداء بهدايته وتوفيقه ) وبهذا الاعتبار أي بملاحظة كون الضلال بسبب النفس قابل الشرطية الخ فإن السبب مذكور في هذه الشرطية فلو لم يلاحظ سببية النفس لم يحسن التقابل ولا ينافيه كون الشيطان ونحوه سببا للضلال لأن المراد السبب في الجملة وإنما قال السبب لأن خالق الضلال هو اللّه تعالى مثل الاهتداء وإنما لم ينسب إليه للتأدب فلا يقال الظاهر وإن اهتديت فلها أو يقال هنا فإنما أضل بنفسي فما وجهه ولا يبعد الاحتباك لكن المصنف لم ينبه عليه ولم يجعل كلمة على للتعليل لأنه مع كونه خلاف الظاهر يفوت المبالغة وما في ما يوحي موصولة وهو الأولى من كونها مصدرية وصيغة المضارع للاستمرار أو لحكاية الحال الماضية وهذا من قبيل كلام المصنف المسكت للخصم الألد . قوله : ( يدرك قول كل ضال أو مهتد وفعله وإن أخفاه عند الموت أو البعث أو يوم بدر وجواب لو محذوف مثل لرأيت أمرا فظيعا فلا يفوتون اللّه بهرب إن تحصن ) يدرك قول كل ضال الخ ولما كان معظم الضلال الإنكار بالقول ومعظم الاهتداء بإقرار الحق بالقول قوله : وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي يريد أن التقابل الحقيقي هو أن يقابل علي باللام كقوله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] ويقال هنا إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فإنما اهتدي لها أو يطابق بين الباءين ليكون المعنى إن ضللت فإنما أضل بسبب نفسي على نفسي وإن اهتديت فإنما اهتدى لنفسي بعون اللّه وتوفيقه والتقابل هنا وقع بكلمة على والباء فلا بد من تأويل مصحح لمعنى التقابل بينهما فحاصل تأويله رحمه اللّه أن التقابل بينهما وقع بالباءين أحد الباءين مصرح بها في الشرطية الثانية المعطوفة وثانيهما مقدر في الشرطية الأولى المعطوف عليها وأشار إليه بقوله لأنه بسببها فالمعنى إن ضللت فإنما أضل على نفسي بسبب نفسي وإن اهتديت فإنما أهتدي بوحي اللّه إلي أي بهدايته وتوفيقه وفي الكشاف وهما متقابلان من جهة المعنى لأن النفس كل ما عليها فهو بها أعني إن كل ما هو وبال عليها وصار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها مما ينفعها فبهداية ربها تعليل الاستقامة تقدير لها في الثانية انظر إلى هذا النظر الدقيق وإنما أمر رسوله بأن يقول هذا والحال أنه حكم عام لكل مكلف لأنه عليه الصلاة والسّلام إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به قال الإمام فيه إشارة إلى أن ضلال نفسي كضلالكم لأنه صادر من نفسي ووباله على نفسي وأما اهتدائي فليس كاهتدائكم بالنظر والاستدلال وإنما هو بالوحي المبين قال الطيبي هذا البيان يدل على أن دليل النقل أعلى وأفخم من دليل العقل . أقول : علمه ذلك علم عياني لأنه بالوحي الإلهي والعلم الحاصل بالاستدلال علم بياني والعيان فوق البيان لأن عين اليقين أقوى من علم اليقين وكون ذلك دليلا نقليا بالنسبة إلى أن كفار قريش كانوا يقولون إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك فقال اللّه تعالى قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [ سبأ : 50 ] من القرآن والحكمة .