اسماعيل بن محمد القونوي

53

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أي يستعملون عقولهم بالنظر الصحيح فيما فيه عبرة فيعتبرون ويتعظون أو المعنى يدركون قبح صنيعهم فيرتدعون عنه . قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 36 ] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 ) قوله : ( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [ العنكبوت : 36 ] ) متعلق بمضمر معطوف على أرسلنا في قصة نوح عليه السّلام والمراد أولاد مدين بن إبراهيم ولذلك قبل أخاهم وشعيب بن مكيل بن شجر بن مدين فاتضح التعبير بأخاهم . قوله : ( وافعلوا ما ترجون به ثوابه فأقيم المسبب مقام السبب وقيل إنه من الرجاء بمعنى الخوف ) وافعلوا ما ترجون به ثوابه أشار إلى أن رجاء ثواب يوم القيامة بتقدير المضاف قوله وافعلوا ثابت باقتضاء النص وعن هذا قال فأقيم المسبب وهو رجاء الثواب مقام السبب وهو فعل الطاعات . قوله : ( وَلا تَعْثَوْا [ العنكبوت : 36 ] ) ولا تعتدوا حال إفسادكم قد مر تفصيل قيد الإفساد في سورة البقرة . قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 37 ] فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 37 ) قوله : ( الزلزلة الشدة وقيل صيحة جبريل لأن القلوب ترجف بها ) وقيل الخ وهو الموافق لما في سورة هود وهو قوله تعالى : وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [ هود : 94 ] وهذا يقتضي الترجيح لا التمريض إلا أن يقال إن هلاكهم بالزلزلة لأن جبريل عليه السّلام لما صاح صيحة شديدة تموج الهواء وما يجاوره من الأرض فحصل الزلزلة فهلكوا بها وبهذا يحصل التلفيق بين الآيتين وفي قوله لأن القلوب ترجف لها نوع إشارة إلى ما ذكرنا ويحتمل أن يكون مراده أن المراد بالرجفة رجفة القلوب رجفة شديدة حتى تقطعت قلوبهم بها فهلكوا وبهذا أيضا يحصل التوفيق بين الآيتين . قوله : ( في بلدهم أو دورهم ولم يجمع لأمن اللبس ) في بلدهم إذ الدار تطلق على البلد ولو مجازا لأنه يشتمل الدور وإنما اختار ذلك لأن الإفراد حينئذ على ظاهره ثم كون المراد الدور بصيغة المفرد لأنه اسم جنس يحتمل القليل والكثير والقرينة على الثاني لأنهم قوله : فأقيم السبب مقام المسبب أي اعبدوا اللّه واعملوا صالحا حتى تتمكنوا على رجاء أن يثيبكم اللّه بالجنة لأن من لم يعمل من الصالحات لم يرج الثواب الذي في الدار الآخرة فالأعمال سبب للتمكن على الرجاء فيكون عطف وأرجو على اعبدوا اللّه للبيان والتفسير وقريب منه ما مر في قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [ العنكبوت : 23 ] ويجوز أن يكون العطف للحصول والوجود لما كان حصول التمكن من الرجاء بعد حصول العبادة ذكر الرجاء بعد العبادة على طريق العطف ومثل هذا شائع منه قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] .