اسماعيل بن محمد القونوي
528
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( فإن غيره وسط في إيصال رزقه لا حقيقة لرازقيته ) أي ليس برازق في نفس الأمر وهذا معنى الحقيقة هنا ولا يخالفه إطلاق الرازق عليه حقيقة لا مجازا كإطلاق الشهداء على من ماتوا في المعركة حقيقة مع أنهم لا قطع عليهم أنهم شهداء حقيقة عند اللّه تعالى والفرق بين الحقيقتين واضح وقد خفي على بعض فاعترض على المصنف بما لا طائل تحته كما هو عادته ولما اطلق الرازق على غيره تعالى حقيقة لغة ووضعا ظهر حسن صيغة التفضيل وبعبارة أخرى لما اطلق الرازق على غيره صورة ظهر صحة التفضيل وقد مر الكلام فيه في قوله تعالى : أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [ الصافات : 125 ] والحاصل أن المعنى الموصلين للرزق والواهب له يجعله حقيقة كما قيل فيه تأمل أيضا . قوله تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 40 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قوله : ( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ [ الأنعام : 22 ] ) أي اذكر يوم نحشرهم المستكبرين والمستضعفين . قوله : ( تقريعا للمشركين وتبكيتا لهم وإقناطا لهم عما يتوقعون من شفاعتهم وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم ) تقريعا الخ مفعول له لنقول أي هذا القول للملائكة تقريع للمشركين وتبكيتا أي إسكاتا لهم كقوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [ المائدة : 116 ] الخ وكونه إقناطا لهم بملاحظة جواب الملائكة حيث أنكروا « 1 » عبادتهم على وجه أبلغ قوله وتخصيص الملائكة أي بالذكر هنا في حكاية ما قيل لهم في ذلك الموقف وتقديم إياكم ليس للحصر لظهور أنهم عبدوا غير الملائكة كما نطق به النص الكريم في موضع آخر والمصنف أشار إلى ذلك بقوله : لأنهم أشرف شركائهم وأشار أيضا إلى أن الخطاب لغير أهل الكتاب من مشركي العرب فالمراد الأشرفية بالنسبة إلى الأصنام فلا إشكال بعيسى وعزير عليهما السّلام قوله : والصالحون للخطاب منهم صريح في ذلك لكن من عبد الأصنام لم يعبد الملائكة وبالعكس والقول بأنهم وإن عبدوا الأصنام لكن مبدؤه عبادة الملائكة وجه آخر . قوله : فإن غيره وسط لأن كل ما رزق غيره من سلطان يرزق جنده أو سيد يرزق عبده أو رجل يرزق عياله فهو من رزق اللّه أجراه على أيدي هؤلاء وهو خالق الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق وعن بعضهم الحمد للّه الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجدوا وواجد لا يشتهي .
--> ( 1 ) وتقديم المبتدأ هنا لإنكار الحكم على أن يكون التقديم لمجرد التقوى كما اختاره صاحب المفتاح في قوله تعالى : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ وللإشارة إلى ذلك قال تقريعا للمشركين أي الاستفهام لإنكار العبادة للتوبيخ لا لإنكار الفاعل قد حقق ذلك في المطول فلا تغفل .