اسماعيل بن محمد القونوي
529
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ولأن « 1 » عبادتهم مبدأ الشرك وأصله وقرأ حفص ويعقوب يحشرهم ويقول بالياء فيهما ) ولأن عبادتهم الخ لما روي أن من سبب حدوث الأصنام في العرب أن عمرو بن الحيي أول من عبد الأصنام فسألهم فقالوا له : هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية نستنصر بها ونستشفي فتبعهم وأتى بصنم معه فاستمرت العرب إلى أن جاء الإسلام كذا نقله ابن الوردي في تاريخه وما روي أنها صور الأنبياء عليهم السّلام وسائر الصالحين رواية أخرى فلا وجه لما قيل إن هذا لا أصل له وقوله بالياء فيهما أي في يحشر ويقول فح لا التفات كما في الأول فإن فيه التفاتا من الغيبة إلى التكلم . قوله تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 41 ] قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) قوله : ( قالُوا ) جواب سؤال وصيغة المضي لتحقق وقوعه سبحانك صدر الكلام به للاعتذار عما اتخذوهم شركاء والمعنى أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك . قوله : ( أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم كأنهم بينوا بذلك براءتهم عن الرضاء بعبادتهم ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة « 2 » بقولهم : بَلْ كانُوا [ سبأ : 41 ] ) الآية أنت الذي نواليه هذا جواب مراعاة للأدب مع الرب بإقامة العلة مقام المعلول فإن قوله لا موالاة بيننا الخ معناه لم يعبدونا ولم نرض بعبادتهم إذ لا موالاة بيننا وبينهم وبدأهم بأنه تعالى يواليه فقط للإشعار بأنهم لم يخالفوا رضاء اللّه تعالى ولذا لم يرضوا بعبادتهم لأنه خلاف رضاء اللّه تعالى . قوله : ( بل كانوا يعبدون الجن ) هذا إضراب عن ذلك لكن لا بمعنى الابطال بل للترفي من المهم إلى الأهم أو بمعنى الابطال لأنه فهم أولا أنهم عبدونا لكن لم نرض بعبادتهم إذ لا موالاة بينهم فهذه حالة منافية لذلك ثم أضربوا عن ذلك وأبطلوا عبادتهم إياهم فقالوا بل كانوا يعبدون الجن قوله : ونفوا أنهم عبدوهم يلائم الابطال قوله على الحقيقة أي في نفس الأمر لدفع لزوم الكذب ظاهرا . قوله : ( أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير اللّه وقيل كانوا يتمثلون لهم قوله : ولأن عبادتهم مبدأ الشرك وأصله لأن الكفار عبدوا الملائكة أولا ثم عبدوا غيرهم من الأصنام . قوله : حيث أطاعوهم في عبادة غير اللّه يعني ليس المراد بيعبدون الجن حقيقة العبادة لأنهم ما عبدوا الجن فالمراد به إطاعة وسوسة الشياطين والمراد بالجن الشياطين لما كان الشياطين زينوا
--> ( 1 ) إعادة اللام هنا لأنه نوع آخر من التعليل دون الثاني . ( 2 ) على الحقيقة يدفع بها التناقض حيث أثبتوا أولا عبادتهم ونفوا رضاءهم فأشار إلى أن المثبت أولا العبادة الصورية والمنفي العبادة على الحقيقة .