اسماعيل بن محمد القونوي
527
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 39 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 39 ) قوله : ( يوسع عليه تارة ويضيق عليه أخرى فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق في شخصين فلا تكرير ) فهذا في شخص واحد ولذا قال تعالى : وَيَقْدِرُ لَهُ [ سبأ : 39 ] وما سبق وَيَقْدِرُ [ سبأ : 39 ] بدون له وهذا جواب آخر بأنه لو كان ذلك لكرامة أو لهوان لكان شخص واحد على حالة واحدة من الغنى والفقر إلى آخر العمر مع أنه ليس كذلك لما عرفته من أنه يكون في بعض الأوقات على سعة وطيب عيش وفي بعض الأوقات الأخر يكون في ضيق وكد وعناء سواء كان شريفا شهيرا أو عبدا حقيرا ولكونه جوابا آخر أقوى « 1 » من الأول أعيد لفظة قل ولكونه تأكيدا للجواب الأول اختير الفصل . قوله : ( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [ سبأ : 39 ] ) أي من شيء قليل كنصف تمرة فهو أي اللّه يخلفه أي يعوضه . قوله : ( عوضا إما عاجلا أو آجلا ) إما عاجلا أي في الدنيا أو آجلا في الآخرة فأو لمنع الخلو لأنه تعالى لكرمه يعوض في الدنيا بإعطاء المال بدله أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد وبالثواب في الآخرة وفيه إشارة إلى رد تخصيصه بالآخرة وإن نقل ذلك عن مجاهد صاحب الكشاف لما ورد في الأحاديث الصحيحة نحو لكل منفق خلف ولكل ممسك تلف . قوله : فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين والقرنية رجع الضمير في له في قوله : وَيَقْدِرُ لَهُ [ سبأ : 39 ] إلى لِمَنْ يَشاءُ وهو المبسوط الرزق فمتعلق البسط والتضييق هنا شخص واحد بخلاف ما تقدم فإن هناك قرينة دالة على أن المبسوط الرزق غير المضيق عليه وهو تفاخر الكفار وتطاولهم بالمال والأولاد على من ليس لهم ذلك ولذا لم يذكر هناك لفظة له وذكرت هنا فلا تكرار . قوله : عوضا إما عاجلا أو آجلا وفي المعالم عن جابر بن عبد اللّه قال قال النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتبت له صدقة وما وقى به الرجل عرضه كتبت له به صدقة قال الراوي قلت ما معنى ما وقى به قال ما أعطى الشاعر وذو اللسان المتقى وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى اللّه خلقها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية وفي الكواشي ما شرط نصب بقوله : أَنْفَقْتُمْ [ سبأ : 39 ] ومن شيء بيانه وجواب الشرط الفاء بعده أو بمعنى الذي مبتدأ وخبره فهو يخلفه أي فاللّه يعوضه هنا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى ثم بالثواب في العقبى وفي الحديث من أيقن بالخلف جاد بالعطية وفيه حكاية عن اللّه تعالى أنفق عليك .
--> ( 1 ) لأنه ذكر فيه من عباده الدالة على ضعفهم ردا لما أوهم من كلامهم أنهم مستحقون بذلك لشرافة النسب وغيره دون الأول ولأن التوسيع والتضييق بالنسبة إلى شخص واحد أول على أنه ليس لكرامة ولا لهوان .