اسماعيل بن محمد القونوي
502
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإذن ) حتى إذا كشف الفزع الخ إشارة إلى أن صيغة التفعيل للسلب والإزالة كصيغة الأفعال نحو أشكيته ولتضمن معنى الكشف تعدى بعن قوله عن قلوب الشافعين والمشفوع له تفسير لضمير قلوبهم وإرادة كلاهما بناء على ما قلنا من أن إذن المشفوع له معتبر في إذن الشافع وبالعكس وإلا فيشكل إرادتهما معا . قوله : ( وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم ذكرهم ضمنا وقرأ ابن عامر ويعقوب فزع قوله : وقرأ ابن عامر ويعقوب فزع على البناء للفاعل والفاعل هو اللّه تعالى أي حتى إذا فزع اللّه عن قلوبهم أي كشف اللّه الفزع وأزاله عن قلوبهم والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض بمعنى إزالة المرض قال الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال فزعت من اللّه كما يقال خفت منه وقوله تعالى : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [ سبأ : 23 ] أي أزيل يقال فزع إليه إذا استغاث به عند الفزع وفزع له أغاثه وقراءة فرغ بالراء والغين المعجمة يرجع إلى معنى فزع بالزاء المعجمة المشددة والعين المهملة لأنها بمعنى فرغت من الفزع أو الفراغ من لوازم إزالة الفزع قال الزجاج وتفسير هذا أن جبرائيل عليه السّلام لما نزل إلى النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بالوحي ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الشفاعة ففزعت لذلك فلما انكشف عنها الفزع قالوا ما ذاك قال ربكم سألت لأي شيء نزل جبريل قالوا الحق تم كلامه وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم قال إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ : 23 ] وعن أبي داود عن ابن مسعود قال إذا تكلم اللّه عز وجل بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرائيل فإذا جاء جبرائيل فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبرائيل ماذا قال ربك فيقول الحق فيقولون الحق الحق قال الطيبي فإن قلت قد ظهر من هذه الروايات أن الموصوفين بهذه الصفات هم الملائكة والذي ذهب إليه صاحب الكشاف هم الشفعاء مطلقا وإن هذه الحالة واقعة يوم القيامة لقوله : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ [ النبأ : 38 ] فاذن ما معنى الغاية في حتى وما وجه انطباقه على الأحاديث الصحيحة قلت واللّه أعلم يستخرج معنى المغيا من المفهوم وذلك أن المشركين لما ادعوا شفاعة الآلهة والملائكة وأجيبوا بقوله : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ سبأ : 22 ] معناه ما قال صاحب الكشاف قل لمشركي مكة ادعوا الذين عبدتم من دون اللّه من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه والتجأتم إليه فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا تنفع الشفاعة من هؤلاء إلا للملائكة لكن مع الإذن والفزع وهم لا يشفعون إلا للمرتضين فعبر عن الملائكة بقوله : إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ [ سبأ : 23 ] الآية كناية كأنه قيل لا تنفع الشفاعة إلا لمن هذا شأنه وأنه لا يثبت عند صدمة من صدمات هذا الكتاب المبين وعند سماع كلام الحق يعني الذين إذا نزل عليهم الوحي يفزعون ويصعقون حتى إذا أتاهم جبرائيل فزع عن قلوبهم ويقولون ماذا قال ربكم فيقول الحق الحق فإن كون اللّه متعينا للجواب عن هذا السؤال وإن اللّه هو مولى النعم والرازق من السماء والأرض يقرر أن آلهتهم لا يملكون شيئا