اسماعيل بن محمد القونوي

479

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كون في بمعنى عند فإن المساكن محفوفة بالجنتين لا ظرف لهما لأن كون الجنة عن يمين بلدتهم لا ينافي كون بعض الجنة في المساكن نفسها ويؤيده ما قيل من أن بستان كل رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله وأما القول بأنه لا حاجة إلى جعل في بمعنى عند فإن القريب من الشيء قد يجعل فيه مبالغة في شدة القرب فضعيف جدا إذ الكل قد يجعل ظرفا لما يكون جزؤه ظرفا له كما يقال فلان في البغداد أو في محلة كذا مجازا وما ذكره القبل لم نطلع عليه ( علامة دالة على وجود الصانع المختار وأنه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز للمحسن والمسئ معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان ) . قوله : ( بدل من آية أو خبر محذوف وتقديره الآية جنتان وقرىء بالنصب على المدح ) بدل من آية لأن البدل لا يشترط فيه المطابقة إفرادا وغيره على أن الآية اسم جنس يحتمل القليل والكثير ولذا نكرت وللتفخيم كون الجنتين دالة على وجود إلى قوله مجاز ظاهر وقد أوضحه المصنف في سورة البقرة في قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] الآية إذ هذه الدلالة متحققة في كل ممكن محدث ولو ذرة وحبة وقطرة وأما دلالته على كونه تعالى مجازيا للمحسن الخ فباعتبار أن أولاد السبأ ما دام محسنا كانت جنتاهم معمورتين محفوفتين بالأشجار والأثمار وأنواع الفواكة والأنهار وإذا غيروا ما بأنفسهم غير اللّه ما بهم حتى بدل بجنتيهم جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ [ سبأ : 16 ] الآية وكذا القرى التي بارك اللّه فيها ما داموا محسنين فإذا عصوا ربهم مزق اللّه كل تمزيق وقيل كونه مجازيا للمسيء والمحسن هو مأخوذ من ذكر البعث أولا ولا يخفى بعده إذ الظاهر أنه مستفاد من هذه الآية الكريمة وكونه معاضدة أي مقوية للبرهان الخ أي على البعث باعتبار أنه يدل على أنه تعالى قادر على التغيير بجعل الطري هالكا والمجتمع متفرقا وكذا عكسه وفي كلامه إشارة إلى ارتباط هذه الآية بما قبلها . قوله : ( والمراد جماعتان من البساتين ) لأفرد أن من الجنة لأن مقتضى النظم أن لأولاد سبأ عموما أو لأكثرهم جنتان فلا جرم أن الفردين من الجنة لا تكونان لجماعة بل المراد جماعتان كل جماعة مشتملة على أفراد كثيرة فقوله والمراد جماعتان بيان للواقع لا غير . قوله : والمراد جماعتان من البساتين أي لم يرد بساتين اثنين فحسب وإنما أراد تعالى جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين في تقاربهما وتضامهما كأنهما جنة واحدة أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال تعالى : جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ [ الكهف : 32 ] قوله حكاية بالرفع وكذا دلالة في قوله أو دلالة أي قوله تعالى : كُلُوا [ سبأ : 15 ] الآية حكاية لقول نبيهم لهم أو حكاية لسان الحال أو دلالة بأنهم الخ قيل كانت أخصب البلاد عن ابن عباس كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة أي آفة يخرج المرأة على رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير بين تلك الشجرة فيمتلي المكتل مما يتساقط فيه من الثمر .