اسماعيل بن محمد القونوي
472
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تجوزا وجه التجوز للمشاكلة وفي الكشاف ويجوز أن ينصب باعملوا ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا على طريق المشاكلة والمراد التجوز في الايقاع لأن الطاعة التي هي المفعول به سبب للشكر ولا يبعد كونه مجازا في الطرف ذكر الشكر وهو المسبب وأريد الطاعات وهي السبب . قوله : ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ) وقليل خبر مقدم قدم للتنبيه على قلته في أول الأمر المتوفر على أداء الشكر الخ هذا مستفاد من صيغة المبالغة ومعنى المتوفر المستزيد وتعديته بعلى لتضمنه معنى القائم لأنه لازم له والمفهوم منه أن الشاكر كثير بالنسبة إليه لكنه لا يعبأ به ما لم يكن شاكرا بقلبه ولسانه وجوارحه المراد من عبادي عباده المؤمنون إذ الإضافة لتشريف المضاف وقد تكون عاما للكفرة وفي قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [ الفرقان : 17 ] المراد بالعباد الكفرة لكن استعماله فيهم قليل منوط بالقرينة . قوله : ( ومع ذلك لا يوفى حقه لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر ) ومع ذلك أي مع قلته لا يوفى حقه لا يؤدى حقه وهذا ليس ببيان للقلة بل بيان أنه لا يؤدى حق الشكر القليل لأن توفيقه للشكر نعمة جسيمة الخ فلا يقدر أداء الشكر بوجه ولذا قيل الشكور من يرى الخ كما قيل العجز عن الإدراك إدراك وسره أن العجز اعتراف بعدم قدرته على الشكر وهو عين الشكر وفي الإحياء أن داود عليه السّلام قال في مناجاته يا رب إذا كان إلهامك للشكر واقداره عليه نعمة فكيف يتأتى لي شكرك ؟ فقال : يا داود إذا عرفت هذا فقد شكرتني وسره ما مر من أنه اعتراف بعدم قدرته على الشكر كما هو حقه وهذا عين الشكر مع صرف جميع ما أنعم عليه إلى ما خلق له وقيل لأن التوفيق على الشكر نعمة فتستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية الشكر عمل مخصوص وضرب من العمل وهو مقابلة النعمة لسانا وجنانا وأركانا . قوله : المتوفر على أداء الشكر معنى التوفر مستفاد من صيغة المبالغة في لفظ الشكور وبين معنى التوفر في الشكر بأن يقبل الشاكر عليه بكليته في أكثر أوقاته وهو معنى الشكر الإصلاحي وهو صرف الجميع إلى ما خلق لأجله وزاد عليه كثرة الزمان وعن ابن عباس الشكور من يشكر على أحواله كلها عن السدي من يشكر على الشكر وقيل من يرى عجزه عن الشكر وهذا هو معنى قول السدي وعليه قوله إذ كان عون اللّه للشكر نعمة علي له في مثلها يجب الشكر إلا بفضله : وإن طالت الأيام واتسع العمر * إذا مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء عقبها الأجر وعن داود أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي وعن عمر رضي اللّه عنه أنه سمع رجلا يقول اللهم اجعلني من القليل فقال عمر ما هذا الدعاء فقال الرجل إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر كل الناس أعلم من عمر .