اسماعيل بن محمد القونوي

458

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والأرض ولم يتفكروا هم أشد خلقا أم هي من خلقنا ) وتهديدا عليها ناظر إلى قوله وما يحتمل فيه ففيه لف ونشر مرتب والكلام فيه مثله في الإزاحة قوله والمعنى اعموا أي بالقلب « 1 » فإنه من عمى البصيرة وهو فساد البصيرة كما أن العمى بالبصر فساد القوة البصرية فلم ينظروا أشار به إلى أن مدخول الهمزة محذوف قوله فلم ينظروا معطوف عليه والإنكار متوجه إليهما والعطف بالفاء لأن العمى سبب لعدم الرؤية والمراد بالنظر الرؤية لتعديته بإلى لكن المراد الرؤية على وجه البصيرة ليؤديه إلى الفكر فسر الرؤية أولا بالنظر إليهما ثم الفكر والتفكر فيهما بالنظر الصحيح أهم أشد خلقا أم هي أي السماء والأرض فعلم أن من قدر على خلق الأجرام العظام بلا عمد يراه الأنام يقدر على إحياء الأموات بجمع الأجزاء المتفرقة أو بإعادة المعدوم بعينه فيمتنع عن استحالة الأموات . قوله : ( وإنا إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً ) وإنا إن نشأ نخسف بهم الأرض ملابسة بهم أو بسقوط كسف من السماء نخسف بهم الخ فليكن على حذر من ذلك قوله وما أحاط بجوانبهم تفسير ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [ سبأ : 9 ] وفي الكشاف اعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيث ما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من اقطارهما وأن يخرجوا عماهم فيه من ملكوت اللّه ولم يخافوا أن يخسف اللّه بهم أو نسقط عليهم كسفا من السماء فعلم أن السماء والأرض كلتاهما ما بين أيديهم وما خلفهم لا أن أحدهما ناظر إلى إحديهما فلما كان كل واحد منهما أمامهم وخلفهم يلزم الإحاطة بجوانبهم بدون ذكر اليمين والشمال والفوق والتحت إن كلا منهما متصل واحد فيلزم الإحاطة من ذلك والفائدة في إفادة الإحاطة مع ظهوره التهديد بالعذاب وعن هذا ذكر عقيبه قوله : إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ [ سبأ : 9 ] الآية فهي كقوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا [ الرحمن : 33 ] الآية . قوله : ( لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات ) لتكذيبهم بالآيات الخ وهو سبب لنزول ذلك العذاب الخسف عذب به قارون ومن معه وأصحاب الأيكة عذبوا بنزول كسف من السماء والاشتراك في السبب يوجب الاشتراك في المسبب فكونوا يا معشر قريش خائفين عن نزول مثل هذا العذاب عليكم وإنما قال لتكذيبهم بالآيات ولم يقل لتكذيبهم البعث لقصد التعميم فيدخل تكذيب البعث دخولا أوليا . فلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما ما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت اللّه ولم يخافوا أن يخسف اللّه بهم أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول أو بما جاء به كما فعل يقارون وأصحاب الأيكة .

--> ( 1 ) أي بالبصر فإن الإعماء في الحقيقة من لم ير الحق .