اسماعيل بن محمد القونوي
351
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
النساء معناه كجماعة من النساء وإن احتمل في نفسه مفردا أو مثنى لكن لما كان نساء النبي عليه السّلام جماعة كان المراد بأحد الجماعة رعاية للمطابقة ولو حمل على الواحد لزم أن يكون المعنى لستن كواحدة من النساء فيلزم تفضيل كلهن على واحدة من النساء ولا يخفى فساده ولا يقال إنه يلزم تفضيل الجماعة على الجماعة ولا يلزم تفضيل كل واحدة منهن التأويل لكان المعنى لستن أيتها الجماعة كواحدة من آحاد النساء في الفضل وهذا المعنى كما ترى لا لطف فيه إذ الكلام مسوق لمدح أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالفضل على سائر النساء ولا مدح على هذا التقدير وكلامه هذا خلاصة ما في الكشاف حيث قيل هناك ومعنى قوله لستن كأحد من النساء لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل قال صاحب الانتصاف أراد بالمطابقة بين المتفاضلين فإن نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة وقد كان مستغنيا عن ذلك بحمل المعنى على الواحدة وتكون أبلغ أي ليست واحدة منكن كأحد أي كواحدة من آحاد النساء ويلزم على ما قال تفضيل الجماعة على الجماعة ولا يلزم كذلك في عكسه فتأمله وجاء التفضيل ههنا كمجيئه في قوله : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] وكقوله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [ آل عمران : 36 ] فقد مضت فيه نكتة أي الأصل أفمن يخلق كمن يخلق وليس الأنثى كالذكر وكذا ههنا ليست واحدة من النساء مثلكن إلى هنا كلامه وقال الطيبي رحمه اللّه لا شك أن اسم ليس ضمير الجماعة وقد حمل عليه كأحد وبين بقوله من النساء والتعريف فيه للجنس فوجب حمل الأحد في هذا السياق على الجماعة كما في قوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة : 47 ] ولو حمل أحد على الواحد لزم التفضيل بحسب الواحد أن ويرجع المعنى إلى تفضيلهن على واحدة واحدة من النساء ولا ارتياب في بطلانه وأما تأويله بقوله ليست واحدة منكن فخلاف الظاهر وأما قوله يلزم تفضيل الجماعة على الجماعة ولا يلزم ذلك في عكسه فجوابه أن تفضيل كل واحدة منهن يعلم من دليل آخر إما عقلي أو نص إلى هنا كلام الطيبي رحمه اللّه وأقول إما جواب جوابه الأول فإن على حمل أحد جماعة واحدة خلاف الظاهر أيضا فإذ لا بد من ارتكابه خلاف الظاهر فالأولى أن يختار ما هو أبلغ وهو حمل لستن على معنى ليست كل واحدة منكن وأما جواب جوابه الثاني فأن نقول لا بد من بيان ذلك الدليل قال الراغب رحمه اللّه أحد يستعمل على ضربين أحدهما في النفي فقط وهو لاستغراق جنس الناطقين ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق نحو ما في الدار أحد أي واحد ولا اثنان فصاعدا لا مجتمعين ولا مفترقين وهذا المعنى لم يصح استعماله في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح ولا يصح إثباتهما فلو قيل في الدار أحد لكان فيها إثبات واحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين وذلك ظاهر الإحالة ولتناوله ما فوق الواحد يصح أن يقال ما من أحد فاضلين كقوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة : 47 ] وثانيهما في الإثبات وهو على ثلاثة أوجه أحدها أن يستعمل في الواحد المضموم إلى العشرات نحو أحد عشر وثانيها أن يستعمل مضافا أو مضافا إليه كقوله تعالى : أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً [ يوسف : 41 ] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول وثالثها أن يستعمل مطلقا وصفا وليس ذلك إلا في وصف اللّه تعالى قال تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] وأصله وحد لكن وحد يستعمل في غيره قال النابغة : كأن رجلي وقد زال النهار بنا * بذي الحليل على مستأنس وحد