اسماعيل بن محمد القونوي

339

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كان الموت في حكم الاختياري فحسن معنى قضى موته بتعاطي أسبابه والقرينة عليه قوله : مَنْ يَنْتَظِرُ [ الأحزاب : 23 ] فإنهم قضوا نذره بحسب الظاهر حيث ثبتوا في المقاتلة معه عليه السّلام ولو لم يكن المراد هنا الموت لما صح المقابلة فإنهم كلهم سواء في الثبات نظيره الأمر بالإيمان وإسناده إلى المؤمن مع أن الإيمان ليس باختياري فكما يصح الأمر بالإيمان لإمكان كسبه بتعاطي أسبابه كذلك يصح النذر في الموت والقول بقضاء موته يتناول أسبابه حتى يحصل وبهذا الاعتبار صار مقدوره فمن أنكر ذلك أشكل عليه الأمر بالإيمان وسائر الكيفيات النفسانية التي ليست باختيارية وإلى هذا أشار أولا بقول نذره بأن قاتل حتى استشهد فالنذر وإن كان على المقاتلة المغياة بالموت ظاهرا لكنه في الحقيقة على الموت بشروع أسبابه إذ المقصود من الأفعال الاختيارية المغياة الغايات والباعث على ذلك قوله من ينتظر كما عرفته ومن غفل عن هذه الدقيقة الأنيقة اعترض على المصنف بما لا طائل تحته اغترار بظاهر كلامه طاب اللّه ثراه . قوله : ( الشهادة كعثمان وطلحة ) الشهادة قدرها بمعونة المقام ولم يقدر النذر لما مر من أنهم قضوا الثبات معه عليه السّلام فالانتظار لما هو المقصود من النذر وهو الشهادة والموت وإن لم يصح تمنيه لكن الشهادة يصح تمنيها وانتظارها لما ورد من الترغيب فيه في الاخبار الشريفة ( العهد ولا غيروه ) . قوله : ( شيئا من التبديل ) إشارة إلى أن تبديلا تأكيد للنفي لا للمنفي بأن لوحظ النفي أولا ثم التأكيد ثانيا ولو عكس لاختل المعنى . قوله : ( روي أن طلحة ثبت مع رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام يوم أحد حتى أصيبت يده فقال عليه السّلام أوجب طلحة ) روي أن طلحة الخ هو حديث صحيح رواه الترمذي وغيره عن الزبير مرفوعا وقوله : « أوجب طلحة » أي استحق الجنة استحقاقا كالواجب عليه تعالى بسبب هذه الإصابة وسعيه في نصرة الرسول عليه السّلام واختيار الهلاك دونه نفعنا اللّه تعالى بشفاعته وأصله أوجب الجنة لنفسه على اللّه تعالى بمقتضى وعده . قوله : ( وفيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل ) وفيه تعريض أي أنه كناية قوله : أوجب طلحة وفي النهاية في الحديث من فعل كذا وكذا فقد أوجب يقال أوجب الرجل إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة أو النار . قوله : وفيه تعريض لأهل النفاق أي في قوله تعالى : وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 23 ] كأنه قال من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه وما بدلوا تبديلا ليجزيهم اللّه بصدقهم ومن المنافقين رجال كذبوا ما عاهدوا اللّه عليه وبدلوا تبديلا ليعذبهم اللّه إن شاء فوضع المظهران وهما الصادقين والمنافقين في ليجزيهم اللّه الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين موضع الضميرين للإنذار بأن استحقاق كل بسبب عمله فاللام المقدر في يُعَذِّبَهُمْ [ آل عمران : 128 ] مجاز للعاقبة وهذا معنى قوله رحمه اللّه وقوله : لِيَجْزِيَ اللَّهُ [ الأحزاب : 24 ] الآية تعليل للمنطوق والمعرض به وقوله وكان المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء تصحيح لمعنى لام التعليل المقدر في ويعذب