اسماعيل بن محمد القونوي
338
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تعديته إلى ما عاهدوا على نزع الخافض وهو لفظة في والمفعول محذوف أي صدقوا اللّه فيما عاهدوه مأخوذ من صدقني إذا قال لك الصدق والمعنى بعض المؤمنين حيث صدقوا اللّه فيما عاهدوا اللّه فمن مبتدأ لكونها اسما بمعنى البعض ورجال خبره والفائدة باعتبار وصفهم بأنهم صدقوا وتنوين رجال للتفخيم والتعبير بالرجال للإشعار بكمالهم في الرجولية وما هو المقصود منها لاتصافهم بهذه الصفة الجليلة التي اتعب وأشق على النفوس وكون من المؤمنين خبرا مقدما ورجال مبتدأ مؤخرا قليل الجدوى فالأولى ما ذكرناه وقيل وتعديته إلى ما عاهدوا يحتمل أن يكون يجعل المعاهد عليه مصدوقا على المجاز العقلي أو الاستعارة بالكناية بأن يشبه ما عاهدوا اللّه برجل عظيم قائم تجاههم كأنهم قالوا للمعاهد عليه سنفي بك وجعله مصدوقا تخييل وكلام المصنف ينتظمهما وأنت خبير بأن كلام المصنف كالصريح في الحذف والإيصال نعم إن الزمخشري تعرض لهما . قوله : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ [ الأحزاب : 32 ] نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر ) فمنهم الخ تفصيل لما أجمل أولا فالفاء للتفصيل قدم الفريق الأول لكون وفاء عهده أتم وقضى بمعنى وفا وفرغ وحاصله أتم إذ القضاء في الأصل إتمام الشيء قولا أو فعلا وقد كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا شهدوا مع الرسول عليه السّلام حربا قاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد اللّه وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر وغيرهم رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين أشار إلى بعضهم المصنف في أثناء التفسير حيث قال بأن قاتل حتى استشهد كحمزة الخ ثم قال الشهادة كعثمان الخ . قوله : ( والنحب النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان ) والنحب النذر وهو أن يلتزم الإنسان شيئا من أعماله ويوجبه على نفسه بأن قال علي كذا مثلا ويجب الوفاء إن كان موافقا للشرع قوله استعير النحب هنا للموت قوله لأنه كنذر الخ بيان وجه المشابهة أي شبه الموت بالنذر في اللزوم وإن كان الأول اختياريا والموت اضطراريا لكن لم يبين القرينة المانعة من إرادة الحقيقة والظاهر أن المعنى الحقيقي ممكن هنا غاية الأمر إن الموت ملحوظ فيه والمعنى فبعضهم من قضى نحبه نذره وأوفى به حتى استشهد ومنهم من ينتظر وفاء عهده ونذره بالشهادة ولا يظهر حسن معنى قضى موته لأنه غير اختياري ليس في وسعه حتى يقال إنه قضى موته وما في وسعه الثبات في الحرب معه عليه السّلام وقد قضوا والجواب أنه أراد أن الموت وإن لم يكن اختياريا لكن لما كان مباديه اختيارية قوله : والنحب النذر استعير للموت قال الراغب النحب النذر المحكوم بوجوبه يقال قضى فلا نحبه أي وفى بنذره قال تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [ الأحزاب : 23 ] ويعبر به عمن مات كقولهم قضى أجله استوفى أكله وقضى من الدنيا حاجته والنحيب البكاء الذي معه الصوت وقولهم استوفى أكله كناية عن انقضاء الأجل والأكل اسم لما يؤكل بضم الكاف وسكونه ويعبر به عن النصيب يقال فلان ذو أكل من الدنيا .