اسماعيل بن محمد القونوي

333

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

يقع في يوم الخندق وأما المحاربة بترامي السهم والحجارة فواقعة ما قاتلوا إلا قليلا إلا قتلا قليلا مستثنى من أعم القتل كقوله تعالى : وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [ الأحزاب : 18 ] رياء وخوفا عن التعبير . قوله تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 21 ] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) قوله : ( خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ) خصلة حسنة الأسوة اسم لما يؤتسى به أي المقتدى به والمراد هنا الخصلة الحسنة والظرفية من قبيل ظرفية الموصوف للصفة كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد . قوله : ( أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك في البيضة عشرون منا حديدا أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد وقرأ عاصم بضم الهمزة وهو لغة فيه ) أو هو في نفسه قدوة فح يكون تجريدية والتجريد في اصطلاح البديع أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله فيها مبالغة لكمالها فيه وهو قد يكون بمن نحو لي من فلان صديق وقد يكون بفي نحو قوله تعالى : لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [ فصلت : 28 ] وما نحن فيه من هذا القبيل إذ الأسوة نفس رسول اللّه عليه السّلام لكنه انتزع منه عليه السّلام شخص آخر مثله في حسن الاقتداء به تنبيها على كماله عليه السّلام في تلك الخصلة وهذا أجدر بفصاحة القرآن ولهذا قدمه الزمخشري لكن المصنف نظر إلى أن المعنى يتم بدون التجريد وإنما يصار إليه حيث لا يصح المعنى بدونه مثل قوله تعالى : لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [ فصلت : 28 ] وكالمثال المذكور فإنه لا يصح اعتبار عشرين منا حديدا في البيضة سوى نفسها بخلاف ما نحن فيه كما عرفته في الوجه الأول ولو اعتبر التجريد في هذا لأمكن اعتباره في أكثر المواد بل في كلها فحينئذ يرتفع الأمان في إفادة المرام وبالنظر إلى ما ذكرنا لم يحسن التجريد هنا فضلا عن أحقيته ببلاغة القرآن لكنه اعتبر تنبيها على الكمال والمن بتشديد النون وزن معروف قوله : أو هو في نفسه أسوة يعني أن في معنى قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] وجهين الوجه الأول أن يكون المعنى إن فيه خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها أي أن يقتدى بها ويتبع كالثياب في الحرب ومقاساة الشدائد والوجه الثاني أنه عليه الصلاة والسّلام في نفسه أسوة حسنة أي قدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به كما يقال في هذه البيضة عشرون منا حديدا أي البيضة في نفسها هذا المبلغ من الحديد وهذا الوجه من باب التجريد جرد من نفسه الزكية صلوات اللّه عليه وسلامه شيء يقال له قدوة وهي هو وأنشد أبو علي : أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا * وفي اللّه إن لم يعد لو أحكم عدل قال ابن جني وهو تعالى أعرف المعارف وقد سماه الشاعر حكما عدلا وأخرج اللفظ مخرج التنكير والمآل إلى معنى التعريف ومنه قولك لئن لقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتلقى منه رجلا متناهيا في الخير ورسولا جامعا لسبل الفضل فقد آلت به الحال إلى معنى التجريد .