اسماعيل بن محمد القونوي

301

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بكل ما ذكر من أنه ليس لرجل قلبان وليست الأزواج أمهات والأدعياء أبناء وصيغة البعد لبعده عن الأذهان والأعيان إذ المراد بكل ما ذكر لك ما فهم من المذكورات من القول بأن للرجل قلبين والظهار والدعوة بقرينة قوله تعالى : قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [ الأحزاب : 4 ] قوله أو إلى الأخير وهو الدعوة اخره لأنه تخصيص بلا مخصص مع أن صيغة البعد لا يلائمه وأيضا ما عدا الأخير أيضا قولهم بأفواههم . قوله : ( لا حقيقة له في الأعيان كقول الهاذي واللّه يقول الحق ) لا حقيقة له لمدلول هذا القول في الأعيان أي في نفس الأمر ولا يطابق الواقع فيكون من الأقاويل الكاذبة وأشار به إلى أن قوله تعالى : بِأَفْواهِكُمْ [ الأحزاب : 4 ] معناه لا حقيقة له لأنه قول ليس في الأعيان ما يطابقه لا من قبيل القلب في جوفه والسمع بإذنه لأنه تأكيد وتقرير لكون المراد الحقيقي دون المجازي كما مر في ذكر الجوف نكتة التعرض به وليس هذا أيضا من قبيل يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [ آل عمران : 167 ] ولا من قبيل قوله تعالى : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ الكهف : 5 ] فذكر الأفواه بعد القول يجيء بمعان متعددة تناسب المقام فاعتبرها بحيث لا يخل المرام قوله كقول الهاذي من الهذيان بالذال المعجمة والظاهر أن قولهم من الهذيان فالتشبيه من قبيل تشبيه الفرد بالكلي للتوضيح وإن لم يكن متعارفا . قوله : ( ما له حقيقة عينية مطابقة له ) أشار به إلى أن الحق هنا بمعنى الثابت الموجود مدلوله في نفس الأمر فإنه تعالى جعل لعباده الشرائع وبين لهم الأحكام وما هو الواقع في نفس الأمر فالحق عدم قلبين لأحد والشرع عدم كون الزوجة إما في الحرمة بالتشبيه المذكور وعدم كون الأجنبي ابنا في الميراث وغيره فالقول بخلاف قوله ليس له مستند شرعي فلا جرم أنه قول ليس له حقيقة . كلها يحب أن نحذر منه سخطه حكيم لا يحب متابعة حبيبه أعداءه وعلل قوله : وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ الأحزاب : 2 ] بقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [ الأحزاب : 2 ] تتميما أيضا أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الزائغة لأن اللّه علم عملك وعملهم فيكافىء كلا ما يستحقه وذيل قوله : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأحزاب : 3 ] بقوله : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 3 ] تقريرا وتوكيدا على منوال فلان ينطق بالحق والحق أبلج معنى من حق يكون كافيا لكل الأمور حسنا جميع ما يرجع إليه أن يفوض الأمور إليه ويتوكل عليه وفصل قوله : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] على سبيل الاستئناف تنبيها على بعض من أباطيلهم وقوله : ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [ الأحزاب : 4 ] فذلكة لتلك الأحوال آذنت بأنها جديرة بأن تحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلا عن أن يطاع ثم وصل وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [ الأحزاب : 4 ] على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في المجمل في وَلا تُطِعْ وَاتَّبَعَ [ الكهف : 28 ] وفصل قوله : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأحزاب : 5 ] وقوله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ [ الأحزاب : 6 ] وهلم جرا إلى آخر سورة تفصيلا للقول الحق والهداية إلى السبيل القويم .