اسماعيل بن محمد القونوي

232

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد مقيم على طريق القصد الذي هو التوحيد ) لزوال ما ينازع الفطرة فإذا زال ذلك تراجع الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها فإن الخوف إذا أشد لم ينازع الوهم العقل فيكون العقل مرشدا إلى التوحيد وصارف عما سواه فدعوا اللّه مخلصين له الدين من غير إشراك قوله دهاهم أصابهم وعرض لهم ودعاءهم قولهم : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 63 ] كما ذكر في سورة يونس وعن هذا قال تعالى : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ [ لقمان : 32 ] الآية على أن الفاء فصيحة أي طلبوا النجاة من الغرق فلما نجيهم إجابة لدعائهم فمنهم أي بعضهم مقتصد ويفهم منه أن بعضهم الآخر ليس كذلك ولم يذكر لانفهامه من قوله : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا [ لقمان : 32 ] الآية ويؤيد الاحتمال الأول وعلى الثاني يكون تذييلا . قوله : ( لانزجاره بعض الانزجار ) تعليل لتوسطه بين العتو في الكفر والتوسط في الكفر غير متعارف قوله لانزجاره لا يفيد التوسط في الكفر لأن انزجاره عن الطغيان في العمل كترك الإذاء والافتراء وسائر الفحشاء « 1 » . قوله : ( غدار فإنه نقض للعهد الفطري ) وهذا إفراط في نقض العهد لاستلزامه نقض كل عهد حتى نقض العهد الذي في البحر ولهذا قدمه ورجحه . قوله : ( أو لما كان في البحر والختر أشد الغدر للنعم ) أو لما كان الخ عطف على للعهد الفطري أي أو نقض لما للعهد كان في البحر وهو كونه موحدا غير مشرك وإنما تعرضه بخصوصه مع أن الأول عام له ولغيره لشدة مساس المقام مع أنه من أعظم نقض العهود والإفراط في تجاوز الحدود قوله والختر أشد القدر فيكون أخص منه وفي التعبير قوله : بما دهاهم من الخوف أي أصابهم من أمر عظيم الداهية الأمر العظيم ودواهي الدهر ما يصيب الناس من عظيم نوبه والباء في بما دهاهم متعلقة بينازع . قوله : مقيم على طريق القصد أي طريق العدل والقصد يقال للعدل قال الشاعر : على الحكم الأماني يوما إذا قضى * قضيته ألا يجور ويقصد وفي الكشاف متوسط في الكفر والظلم خفض من غلوائه وانزجر بعض الانزجار أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط والمقتصد قليل نادر والحاصل من كلام الكشاف أن المراد بالمقتصد الكافر باعتبارين إما متوسط في الظلم والكفر أو متوسط في الإخلاص الذي كان عليه كذا قالوا وقيل المقتصد المؤمن الثابت على ما عاهد اللّه عليه في البحر . قوله : والختر أشد الغدر والغدر ترك الوفاء والختر المبالغة في ترك الوفاء ومنه قولهم إنك لا تمد لنا شرا من غدر إلا أمددنا لك باعا من ختر .

--> ( 1 ) إلا أن الكلام على مذهب الشافعي من أن العمل جزء من الإيمان .