اسماعيل بن محمد القونوي
8
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
البعض بقرينة نذيرا فيه إشارة إلى أنه عليه السّلام مبعوث إلى الجن أيضا وإن كافرهم من أهل النار اتفاقا وأما مؤمنوهم فالإمام أبو حنيفة متوقف فيهم أيدخلون الجنة أم لا خلافا للإمامين فإنهما ذهبا إلى أنهم يدخلون الجنة ولم يذكر الملك لأنه عليه السّلام لم يرسل إليه كما صرح به الإمام الرازي . قوله : ( منذرا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار ) منذرا أي نذير فعيل بمعنى مفعل والزمخشري وإن أنكره في قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ البقرة : 10 ] لكنه اعترف في قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 117 ] الآية وتبعه المص أو مصدر بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار توضيح له بالمشهور الأوضح والصيغة من الثلاثي وكونها بمعنى الافعال يحتاج إلى البيان فيهما وفي أمثالهما لعل وجهه أن الثلاثي بمعنى الافعال إذ معنى الثلاثي مغاير للمعنى المراد هنا فعلى هذا يكون من قبيل رجل عدل اخره لكونه مجازا في النسبة وكونه بمعنى منذرا راجح لمقابلته في بعض المواضع مبشرا ولم يذكر المنذر به وهو العذاب الشديد والألم المديد للتهويل فإن في الإبهام تهويلا بمعونة المقام أو لظهوره إذ الإنذار وهو الإعلام والتحذير يشعر به وإنما لم يجئ للكافرين بدل للعالمين مع أن التخويف من العذاب مختص بهم للإشارة إلى أنه رسول إلى الخلق إلى يوم القيامة . قوله : ( وهذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة ) وإن لم تكن معلومة أي لمن ألقي إليه الكلام وهم المنكرون لأن الكلام مسوق لردهم بدلالة ما بعده حيث قال : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [ الإسراء : 111 ] الآية فلا وجه لما قيل من أن هذه الجملة معلومة للرسول عليه السّلام وهو المخاطب بها ألا يرى أن في بعض المواضع يجيء الكلام بالتأكيد ردا للمنكرين مع أن المخاطب به الرسول عليه السّلام نعم لو اعتبر كونه عليه السّلام مخاطبا بها لكان له قوله : وهذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة يعني أن الصلة والصفة يجب أن تكونا معلومتي الانتساب للموصول والموصوف قبل الإخبار لأنهما إنما تكونان صلة وصفة بعد العلم بهما لأن الإخبار بعد العلم بها صفات كما أن الصفات قبل العلم بها إخبار فإذا لم يعلم المخاطب أن زيدا عالم قلت له مخبرا زيد عالم وإذا علم بهذا الخبر أنه عالم لكن لم يعلم أنه جاء أو لم يجئ قلت في الوصف بالصفة زيد العالم جاءني وفي الوصف بالصلة زيد الذي هو عالم جاءني ولما كان ظاهر قوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] فصلا بين البدل أو المبدل منه أعني بين الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وبين الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ جعلها من الصلة لكونها قيدا لها وغاية عنها فلا يكون فصلا بالأجنبي ولما لزم جعلها من الصلة أن يكون معلومة الانتساب للموصول وإنزال القرآن لهذه العلة لم يعلم بعد بآية نازلة قبل هذه الآية جعل مضمونها جاريا مجرى المعلوم لقوة دليله إذ القرآن مشحون بالانذارات كما أنه مشحون بالبشارات فهو قرينة حالية قوية على أن القرآن أنزل لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] .