اسماعيل بن محمد القونوي

586

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بأن العاقبة للمتقين وأكد ذلك بوعد المحسنين ووعيد المسيئين وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين ) أو مكة الخ قوله اعتدت بها جعل المعاد حينئذ من العادة لا من العود بمعنى الرجوع كما في الأول فيكون المعنى لرادك إلى مكان اعتدته وألفته فلو حمل على العود وهو بمعنى الرد لكان المعنى لرادك إلى رد وهو ركيك هذا إذا حمل المعاد على معناه الحقيقي وأما إذا حمل على المجازي كما يقتضيه كون الآية مكية أي لرادك إلى مكان وهو المكة المعظمة فيما سيأتي فهو مجاز أولى مع أن الراد مجاز لأنه أيضا مجاز أولي أيضا فيلزم ارتكاب المجاز بلا داع وأما إذا قيل إن الآية نزلت في جحفة فلا مجاز في المعاد لكن المعنى ركيك كما عرفته ولرادك مجاز أيضا فلذا حمل المعاد مأخوذا من العادة قيل يعني مكة أريد رده إليها يوم الفتح ولم يتعرض كون المعاد من العود أو من العادة والظاهر أنه جعل من العود ولو جعل المعاد اسم مكان من العود على أن يكون المعنى لرادك إلى محل رد تشتاق إليه لكان المعنى سديدا ثم قيل والسورة مكية لكن هذه الآية نزلت بالجحفة لا بالمكة ولا بالمدينة حين اشتاق إلى مولده ومولد آبائه ولا يخفى أن هذا الكلام يدل على أنه بعد الهجرة فكيف يكون السورة مكية والأحسن أن السورة مكية فكأن اللّه وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظاهرا ظافرا كما في الكشاف . قوله : ( روي أنه لما بلغ جحفة في مهاجره اشتاق إلى مولده ومولد آبائه فنزلت ) روي الخ مرضه لما ذكرناه قوله كأنه لما حكم الخ بيان ارتباط هذه الآية بما قبلها ووعده بالعاقبة الحسنى في الدارين هذا على التفسير الثاني وهو المراد بالعاقبة الحسنى في الدنيا والعاقبة الحسنى في الآخرة مستفاد من قوله وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قوله : ( وما يستحقه من الثواب والنصر ومن منتصب بفعل يفسره اعلم ) وما يستحقه قيل : المراد بالمعاد مكة والصحيح ما أشار إليه علي رضي اللّه عنه ، وذكره ابن عباس أن ذلك الجنة التي خلقه فيها في ظهر آدم وأظهر منه حيث قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فإذا كان المراد بالمعاد مكة فالمعنى أن الذي حباك بنعمة الدين لا سيما بهذا النبي الكريم الذي دونه كل نعمة يمنحك فتح مكة ويردك إلى مسقط رأسك كما قال اللّه تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى قوله : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً فقل لأعدائك موتوا كيدا ربي أعلم بمن جاء بالهدى منا ومنكم ومن هو في ضلال مبين ، وينصر المهتدي ويخذل الضال وهو مالك الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء وكما كنت غير راج أن يلقى إليك هذا الكتاب لكن اللّه لرحمته الواسعة ألقاه إليك بذلك ينصرك على أعدائك هو وحده ويردك إلى معاد فتوكل عليه لا على غيره ولا تعتمد إلا عليه ولا تكونن ظهيرا للكافرين ؛ وهذا هو الموافق لقوله رحمه اللّه فيما بعد في تفسير : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ أي سيردك إلى معادك كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه ولكن ألقاه رحمة فيه . قوله : ( ومن منتصب بفعل يفسره اعلم إنما لم يجعل نصبه بأعلم لفقد شرايط عمل أفعل التفضيل فيه فنصبه بيعلم المقدر الدال عليه اعلم أي ربي يعلم من جاء بالهدى الآية .