اسماعيل بن محمد القونوي
558
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 66 ] فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ( 66 ) قوله : ( فصارت الأنباء كالعمى عليهم لا يهتدى إليهم ) أشار به إلى الاستعارة العمى بضم العين وسكون الميم جمع أعمى قوله لا يهتدي إليهم بيان معنى العمى وإشارة إلى العلاقة ووجه الشبه . قوله : ( وأصله فعموا عن الأنباء لكنه عكس للمبالغة ) وأصله أي الظاهر إذا لم يرد المبالغة فعموا إذ العمى حقيقيا أو مجازيا شأن العقلاء قوله للمبالغة أي إن عماهم بلغ مبلغا تخطى إلى أنبائهم ففيه قلب مع الاستعارة إذ العمى استعير لعدم الاهتداء فالكفار لا يهتدون إلى الأنباء فهم من هذه الحيثية عمون ثم قلب وأثبت العمى للأنباء للمبالغة في عماهم لما مر وتعديته بعلى لما سيأتي من تضمينه معنى الخفاء . قوله : ( ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج فإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل ) ودلالة على أن ما يحضر الذهن الخ هذا أكثري لا كلي لكنه ينفع فيما نحن فيه لأن جوابهم للرسل من قبيل ما استحضر في الذهن بعد غيبته وذهولهم عنه فهو إنما يرد على الذهن من الخارج قوله فإذا أخطأ الذهن ولم ينصب عليه من خارج لم يكن له سبيل على استحضاره كمن لم ير شخصا لا سبيل له إلى استحضاره في الذهن أو رآه وزال عنه صورته رأسا فلا يقدر على استحضاره وهنا لما جعل الأنباء الوارد عليهم من الخارج عمى لا يهتدي إلى أذهانهم علم أن سبب عماهم عدم فيض الأنباء من خارج لكمال الدهشة ولو لم يعكس بل ورد على مقتضى الظاهر لم يفهم هذه النكتة الأنيقة وعن هذا اختير القلب فما وقع في النظم الجليل مطابق لمقتضى الحال . قوله : ( أو ما يعمها وإذا كانت الرسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول ويفوضون إلى علم اللّه تعالى فما ظنك بالضلال من أممهم ) أو ما يعمها أي يعم الأنباء المجاب بها الرسل وكل ما يمكن الجواب به لكن مقتضى السوق الأول وعدم التعميم والتعتعة بتاءين فوقيتين وعينين مهملتين التردد في الكلام لحصر أوعى وهذا إشارة إلى قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] الآية . قوله : ( وتعدية الفعل « 1 » بعلى لتضمنه معنى الخفاء ) وتعدية الفعل أي عميت بعلى « 2 » قوله : وإذا كانت الرسل يتعتعون على صيغة المجهول من تعتعت الرجل إذا عتلته إذا جذبته جذبا عنيفا واقلقته أي إذا كان الرسل يقلقون ويتحيرون من هول ذلك اليوم وذلك قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 109 ] فما ظنك بضلال أممهم .
--> ( 1 ) إذ الفاء في فعميت ظاهر في الأول فاللام للعهد والجمع للإفراد وفي الثاني للأنواع . ( 2 ) بل تعديته بعن ولذلك قال وأصله فعموا عن الأنباء .