اسماعيل بن محمد القونوي
55
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والثاني غير مسلم عند بعض المعتزلة وإنما هو قول البعض كما عرفت وما ثبت في محله أن المحبط بالطاعات هو الصغيرة دون الكبيرة غاية الأمر أن الكبيرة مرجو إحباطها بالحسنات كما ذهب إليه بعض شراح الحديث قال المص في تفسير قوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] وفي الحديث الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر انتهى وهذا يؤيد ما قلناه ولعله اختار كون الكبيرة محبطة بالطاعات لكنه بعيد جدا . قوله : ( وبالعفو عندنا ) عطف على الإحباط أو على المزاحم أي مقيد بعدم العفو عندنا أي عند معاشر أهل السنة فإنه يجوز عفو الكبيرة بلا توبة عندنا وهذا هو الجواب عن إشكال الزمخشري وما تقدم تمهيد له . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 20 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) قوله : ( أي إلا رسلا أنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه ) وفي الكشاف والمعنى وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين وهو أوضح مما ذكره المص والنفي المستفاد من الحصر عدم أكلهم ومشيهم بقرينة أنه جواب لقولهم ما لِهذَا الرَّسُولِ [ الفرقان : 7 ] الآية فالقصر إضافي وقصر قلب يعني أن هذا عادته تعالى مستمرة في جميع رسله المرسلين إلى الإنسان فلا وجه لهذا الطعن من أهل الطغيان كما أن قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً [ الفرقان : 10 ] الآية جواب لقولهم أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة وأما جواب قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ [ الفرقان : 7 ] فمذكوره في سورة الأنعام حيث قال تعالى : وَلَوْ أَنْزَلْنا « 1 » مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [ الأنعام : 8 ] . قوله : ( كقوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] ) والمعنى وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر اللّه في تدبير العالم فأقيمت الصفة مقام الموصوف هنا وهناك قيل وعدل عما في الكشاف لأن فيه فصلا بين الصفة والموصوف بإلا وقد رده أكثر النحاة كما في المغني فجعله صفة لموصوف محذوف بعد قوله : أي إلا رسلا أنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه وفي الكشاف الجملة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أعني من المرسلين ونحوه عز من قائل : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] على معنى وما منا أحد تم كلامه قدر صاحب الكشاف رحمه اللّه الموصوف قبل إلا والقاضي رحمه اللّه قدره بعد إلا .
--> ( 1 ) والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوه لحق إهلاكهم فإن سنة اللّه تعالى جرت بذلك فيمن قبلهم ثم لا ينظرون أي لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين .