اسماعيل بن محمد القونوي
523
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بالصانع فلا جرم أن مراده نفي المعلوم وقد عرفت أيضا أن قوله : لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى [ القصص : 38 ] من باب « 1 » مجاراة الخصم . قوله : ( قيل أول من اتخذ الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظيم ولذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام ) قيل أول الخ استدل عليه بقوله ولذلك أمر الخ يعني أمره بقوله : فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [ القصص : 38 ] ولم يقل اطبخ لي الآجر ونحوه فقوله أوقد لي الخ تعليم صنعة الآجر قوله مع ما فيه من تعظيم أي في الأمر من تعظيم فإنه كان وزيره فأمره بالإيقاد على الطين الذي هو عمل أسافل الناس فهو تعظيم منه والكل ضعيف أما أولا فلأن قوله : فَأَوْقِدْ لِي [ القصص : 38 ] لا يدل على صنعة تعليم صنعة الآجر قال تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ [ الرعد : 17 ] الآية فكما لا يدل هذا على تعليم صنعة ذلك لا يدل أيضا ذلك على التعليم وأما ثانيا فلأن الأمر بهامان وإسناد البناء إليه مجاز عقلي كما صرح به أئمة المعاني والخطاب أولا للملأ ثم الخطاب ثانيا لهامان يشعر نوع التعظيم به والنداء باسمه لكمال التمييز من الملأ المذكورين أولا وتوسيط الكلام للمبادرة إلى دفع اشتباه كون الأمر لغيره من الملأ ولعل لهذا مرضه ولم يرض به مع أنه قليل الجدوى وخلاف الفحوى وقيل قاله اللعين بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة فكان من أمرهم ما كان من المغلوبية انتهى فحينئذ لا يبعد أن يكون ذلك المقال لكمال الحيرة والتنزل عن ادعاء السلطنة كما قال ماذا تأمرون فأنى له التعظيم في تلك الحالة الهائلة الداعية إلى التنزل عما كان فيه . قوله : ولذلك نادى هامان باسمه ينافي وسط الكلام أي واقصد التعظم والتجبر نادى هامان باسمه فإن ذكر شخص باسمه وتصريحه به تعظم وتجبر عليه خصوصا إذا ذكره بيا الدالة على البعيد قال صاحب المفتاح يا في مثل هذا المقام تبعيد للمنادى وايذان بالتهاون به خصوصا إذا ذكره في وسط الكلام بعد الأمر بالايقاد والمعهود المتعارف في النداء أن ينادي الرجل أولا وينبه ويوقظ عن سنة الغفلة ثم يؤمر وقد خالف المعهود بتأخير نداء المأمور عن الأمر تهوينا للمأمور بتأخير ذكره وتعظما عليه روي أنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الاتباع والاجراء وأمر بطبخ الاجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق وكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه فبعث اللّه جبرائيل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد اللّه أن يفتنهم فردت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال قد قتلت إله موسى فعندها بعث اللّه جبريل لهدمه واللّه أعلم بصحته وإن صح ما حكي من رجوع النشابة إليه ملطوخة بالدم فهو تهكم به بالفعل كما جاء التهكم بالقول في غير موضع من كتاب اللّه بنظرائه من الكفرة .
--> ( 1 ) فلا منافاة بينهما لأن قوله : لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى بناء على أن موسى عليه السّلام يدعي إلها ولذا أضاف إلى موسى عليه السّلام .