اسماعيل بن محمد القونوي
497
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
في سعة عند فرعون ) من خير الدين فالمراد بالخير خير الدين لا الخير الدنيوي كما في الأول فحينئذ صيغة الماضي في موقعها وأما في الأول فبمعنى المضارع وعبر بالماضي لفرط الرغبة في حصوله والتفاؤل في وصوله كأنه يخيل إليه أنه حاصل قوله صرت أي انتقلت من الغناء إلى الفقر كما أشار إليه بقوله لأنه كان في سعة الخ . قوله : ( والغرض منه إظهار التبجح والشكر على ذلك ) والغرض منه دفع إشكال خطر بالوهم أنه اشتكاء أي الغرض منه إظهار التبجح بتقديم الجيم على الحاء الفرح وكمال السرور وإظهار الشكر على ذلك الإحسان الذي لا يحيطه القلم واللسان وقد ذكرنا فيما مضى أن أفكار الأبرار مائلة إلى أبواب الدين في كل ما يعن لهم من الأمور أجمعين فلا يخطر ببالك أن هذه الحالة حالة المشقة لبعد المشقة وشدة المجاعة لكن مرضه إذ الأول أمس بالسياق والسباق مع أن طلب الرزق لدفع الضرورة من أفضل القربات ومن جملة أبواب الدين والخيرات . قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 25 ] فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) قوله : ( أي مستحيية متخفرة قيل كانت الصغرى منهما وقيل الكبرى واسمها صفوراء في لما للتعليل لا صلة فقير كما في الوجه الأول فالمعنى أني فقير في باب الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة قال ذلك رضى منه بالبدل السني وفرحا به وشكرا له فكأنه قال رب إني أشكرك على أن جعلتني فقيرا مما في يدي من الدنيا والملك لأجل أمر ديني ورزقتنيه بدله فعلى هذا يكون ما في لما أنزلت موصولة ومن في من خبر للبيان والتنكير في خير للتنويع والتعظيم ولذا أضافه إلى الدين وعلى الوجه الأول موصوفة والتنكير للتنويع ومن ثمة فسر لما بقوله لأي شيء ووصف الشيء بقليل أو كثير أي رب إني لأي شيء أنزلته إلي قليل أو كثير غث أو سمين من نوع خير لفقير أي سائل وطالب له فقوله قليل وكثير بعد لفظة خير صفة لشيء في قوله لأي شيء لا صفة لخير وأما فائدة لفظة المضي في ما أنزلت علي التأويل الثاني فظاهر لأن المراد بما في لما أنزلت علي ذلك التأويل خير الدين الذي هو النجاة من أيدي الظلمة وهو أمر كائن ماض وأما على التأويل الأول فالاستعطاف أي رب إني سائل الآن ما كنت أعهده في الأيام الماضية مما أنسد به جوعتي من قليل أو كثير غث أو سمين فيكون دعاؤه هذا من باب التوسل بما سلف كقول زكريا عليه السّلام : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [ مريم : ) 4 ] أي رب إني سائل منك أن تنزل إلي الآن نوع طعام أي طعام كان من جنس ما أنزلته إلي في الزمان الماضي وأطعمتني فيه وعودتني به فمن حق الكريم أن لا يخيب من أطعمه قيل ذكر عليه السّلام ذلك وأن خضرة البقل الذي كان أكله تتراءى في بطنه من الهزال ما سأل اللّه إلا أكلة . قوله : مستحيية متخفرة يعني أن الظرف وهو على استحياء في موضع الحال من فاعل تمشي والتخفر من الخفر بالتحريك وهو شدة الحياء يقال منه خفر بالكسر وجارية خفرة ومتخفرة .