اسماعيل بن محمد القونوي
356
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( من حيث إنها تهدي والعمى لا تهتدي فضلا عن أن تهدي أو مبصرة كل من نظر إليها وتأمل فيها ) من حيث إنها تهدي أي من حيث إنها سبب الهداية التي هي الضوء الأعظم فيكون لها نسبة إلى التبصر في الجملة مثل نسبة الرضاء إلى العيشة من حيث إنها مرضية وجه نسبة التبصر أي الإبصار هو كون كل منهما سببا للهداية وإن كان بينهما فرق من جهة أن الآية هادية إلى الطريق المعنوي والإبصار من جهة أنه هاد إلى الطريق الحسي وهذه الهداية لا توجد في العمى جمع أعمى كحمر جمع أحمر ولنسبة أمر إلى شيء طرق شتى ونسبة الإبصار إلى الآيات من هذه الحيثية فلا استعارة مكنية هنا كما ذهب إليها الفاضل المحشي . قوله : ( وقرىء مبصرة أي مكانا يكثر فيها التبصر ) وقرىء مبصرة بفتح الميم وسكون الباء وفتح الصاد . قوله : ( واضح سحريته ) أي مبين من أبان اللازم ولا يصح المتعدي هنا . قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 14 ] وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) وكذبوا بها . قوله : ( وقد استيقنتها لأن الواو للحال ) وقد استيقنتها بتقدير قد لأنه أبلغ وفي هذه الحال توبيخ عظيم لهم وتنبيه على الإيقان لا يفيد حين وجد علامة الإنكار كالإنكار باللسان وإنما لم يجئ واستيقنوا كما جاء وجحدوا لأن محل الإيقان الأرواح والأذهان والإنكار وإن كان كذلك لكن أريد المبالغة كأنهم جحدوا بأبدانهم وأرواحهم والظاهر أن إسناد الجحود إليهم مجاز لأنه للأنفس أي الأرواح كالاستيقان وسين استيقنتها للتأكيد إذ الحاصل بالطلب في غاية الكمال . قوله : وقرىء مبصرة بفتح الميم أي محلا يكثر فيه التبصر فإن صيغة مفعلة موضوعة لمكان يكثر فيه الشيء مثل مأسدة ومجبنة ومبخلة . قوله : وكذبوا بها يريد أن الجحود هنا مضمن معنى التكذيب ولهذا عدي بالباء وإلا فهو متعد بنفسه يقال جحده حقه . قوله : لأن الواو للحال أي قوله عز وجل : وَاسْتَيْقَنَتْها [ النمل : 14 ] فعل ماض وقع حالا بتقدير قد من واو جحدوا فإن قيل ما الفائدة في هذه الحال وقد أفاد معناها لفظ الجحود لأنه إنكار مع علم قلنا ليس الجحود هنا على معناه الأصلي بل هو مستعمل لمعنى التكذيب والتكذيب أعم من أن يكون إنكارا مع علم أو إنكار مع جهل فلما كان مبهما بينه مضمون الجملة الحالية بأن المراد التكذيب مع علم وفي الكشاف وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم والاستيقان أبلغ من الايقان وأي ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آية بينة واضحة جاءت من عند اللّه ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه قوله ترفعا من الإيمان أي استكبارا من الإيمان بما جاء به موسى كقوله : فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [ المؤمنون : 46 ، 47 ] .