اسماعيل بن محمد القونوي
328
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فيما يحكي عن الجني ) باعتبار أقوالهم أي أقوالهم الخاصة بقرينة قوله فيما يحكي عن الجني فلا إشكال بأن الكذب إنما هو بالأقوال فالمراد بالكذب ما وقع في حكايتهم عن الجن والشياطين فإن ما ينسبون لهم كذب عنهم في الأكثر وقد يصدقون في النقل عنهم والقرينة على هذا التخصيص كون الكلام مسوقا لبيان تنزل الشياطين عليهم وإلقاء سمعهم إليهم والخلاصة أن الأكثرية راجعة إلى أقوالهم المحكية عن الشياطين والمعنى أن كلهم كاذبون فيما يحكون عن الجني لكن ليس في كل قول بل أكثر قولهم كاذب وقليل منه صادق ولظهور المراد قيل وأكثرهم كاذبون مع أن المراد وأكثر أقوالهم ويدل على ذلك الخبر المذكور ولما كان كون الأكثر بمعنى الكل بعيدا قال والأظهر أن الأكثرية الخ وإن كان مآله كون الأكثر بمعنى الكل بالنسبة إلى ذواتهم ويؤيده قول الكشاف الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني وأكثرهم مفتر عليه نعم ما وافق أول كلامه قل ما يصدق من كلامهم فيما يحكي عن الجني لكنه تسامح لظهور المراد « 1 » . قوله : ( وقيل الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن رجموا ) الضمائر أي ضمير يلقون وأكثرهم كاذبون فضمير الجمع حينئذ في بابه وأما في الأول فبتأويل أن كل أفاك في معنى الجمع وعلى هذا الاحتمال فالأكثر على ظاهره كما هو الظاهر ومع ذلك « 2 » ضعفه ولم يرض به لخلو الكلام حينئذ عن الدلالة على الوجه الثاني من وجهي بيان عدم صلوحه عليه السّلام لأن ينزل عليه السّلام الشياطين كما ادعاه المص ولكونه خلاف مذاقه مرضه مع أنه في نفسه مناسب للمقام على أن هذا المعنى مستلزم للأول كما فهم من تقرير المص فإن الشياطين كما كذبوا فيما يوحون إليهم يلزم كون الأفاكين وهم الكهنة كاذبين فيوجد بيان حال من تنزل عليه الشياطين وبيان عدم صلوحه عليه السّلام لأن ينزل عليه الشياطين التزاما لكن التصريح لما كان أمس بالمقام لم يرض هذا الاحتمال مع الإشارة إلى جواز اعتباره والمراد بالملأ الأعلى الملائكة أشار إليه بقوله تكلمت به الملائكة قبل أن رجموا أي منعوا من السماوات وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى عليه السّلام منعوا من ثلاث سماوات ولما ولد محمد عليه السّلام منعوا من كلها رواه المص في سورة الحجر . قوله : ( فيختطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم ) فيختطفون أي يختلسون كلام الملائكة مسارقة ويوحون به أي بعض المغيبات أي يوسوسون به والمراد بالوحي المعنى اللغوي وهو الكلام الخفي إلى أوليائهم من الكفرة الكهنة .
--> ( 1 ) وكون المعنى أكثرهم كاذب فيما يحكي وقليلهم صادق فيما يحكي وإن تناول جنس الكذب كلهم بعيد مخالف للحديث المذكور وللواقع أيضا إذ الكاهن لا بد وأن يكون كاذبا فيما يحكي عن الجني وإلا لا يكون كاهنا مذموما . ( 2 ) أي مع خلوه عن التكلف في جمع الضمائر والأكثر في بابه .