اسماعيل بن محمد القونوي
228
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئا لا حقيقة له وأن التبحر « 1 » في كل فن نافع ) يخيل شيئا الخ فيه نوع مخالفة لما قرره في سورة البقرة قوله وأن التبحر في كل فن ولو حراما تعليمه وتعلمه نافع وإن علم السحرة بأن ما جاء به موسى عليه السّلام ليس من باب السحر إثر سحرهم بتبحرهم في علم السحر ألا يرى أنه لم يحصل ذلك العلم لغيرهم والتفصيل في سورة البقرة في قصة هاروت وماروت . قوله : ( وإنما بدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله ويدل على أنهم لما رأوه ما قوله : لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر أي القي السحرة ساجدين لأنهم علموا جزما ويقينا أن انقلاب عصا وهي خشبة يابسة ثعبانا ساعيا متلقفا لما أفكوه من حبالهم وعصيهم التي خبلوها في أعين الناظرين أنها حيات تسعى لا يتيسر ولا يمكن بصنعة السحر فلما علموا وتيقنوا أنه ليس بسحر آمنوا وخروا ساجدين روي أنهم قالوا إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب وإن يك من عند اللّه فلن يخفى علينا فلما القى موسى عصاه فابتلعت ما أتوا به علموا أنه من اللّه فآمنوا وعن عكرمة أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء . قوله : وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزوير والدال عليه لفظ الإفك في ما يَأْفِكُونَ لأن معناه صرف الشيء عن وجهه وحقيقته بتمويه وتلبيس والسحر كذلك تزوير وتمويه يخيل شيئا لا حقيقة له أي يلقى في الخيال شيئا لا حقيقة لذلك الشيء كما يلقى حبالهم وعصيهم في خيال الناظرين صور الحيات لكن لا حقيقة لتلك الحيات بل حقيقتها هي الحبال والعصي كما ترى بالتمويه كصور الحيات . قوله : وإنما بدل الخرور بالالقاء أي قيل القى بدل خر رعاية للمشاكلة لما ذكر الالقاء قبيل هذا بقوله : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ [ الشعراء : 43 ] وبقوله : فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ [ الشعراء : 44 ] وبقوله : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ [ الشعراء : 45 ] وقيل هنا فألقى السحرة بدل خر ليشاكل تلك الالقاءات وفي الكشاف وإنما عبر عن الخرور بالالقاء لأنه ذكر مع الالقاءآت فسلك به طريق المشاكلة وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا وطرحوا طرحا . قوله : ويدل على أنهم لما رأوها لم يتمالكوا أنفسهم أي ويدل أيضا قوله عز من قائل : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ [ الشعراء : 46 ] على أن لهم ملقيا ألقاهم قسرا على وجوههم ساجدين لأن الالقاء متعد فلا بد له من ملق بخلاف خر فإنه لازم لا يدل على أن خرورهم بالقسر والالجاء فالملقي حين عاينوا ذلك هو اللّه تعالى أو ما شاهدوه من المعجزة الباهرة على الإسناد المجازي قال صاحب الكشاف ولك أن لا تقدر فاعلا لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا قال صاحب الفرائد هذا منظور فيه لأن المعدى إلى المفعول لا بد له حينئذ من الفاعل وإذا أسند إلى المفعول صار الفاعل متروكا وما ذكره صاحب الكشاف من لوازم معناه لا معناه وقال الطيبي أراد بقوله أن لا تقدر فاعلا أن لا تخصص على نحو قتل الخارجي فإن المقصود حصول قتله وكونه مقتولا لا أن
--> ( 1 ) والتبحر من البحر وتفعل منه وهو عبارة عن زيادة العلم وسعته .