اسماعيل بن محمد القونوي
226
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يليق بالنبي المعصوم الأمر به فأجاب بأن الأمر هنا ليس على حقيقته لأنهم فاعلوه لا محالة وإن لم يقل لهم ذلك أي ألقوا كما أشار إليه بقوله : ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ [ يونس : 80 ] لا محالة سواء وجد الإذن مني أو لا فالمراد بالأمر الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لتضمنه خيرا كثيرا وهو التوسل إلى إظهار الحق فليس الإذن في فعلهم لأنهم فاعلوه البتة فلا فائدة في الإذن بل الإذن في تقديمه المطلوب فالرضاء المستفاد من الإذن رضاء تقديمه لا نفس الفعل على أنه لا ضير في الرضاء به للتوسل إلى إبطاله وهذا عين استقباحه لكن المعول صرف الرضاء إلى تقديمه ليتوسل إلى إبطاله لا صرفه إلى الفعل فإنه لا يليق « 1 » بمنصب النبوة ولو كان له محمل صحيح . قوله : ( بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلا به إلى إظهار الحق ) ما هم فاعلوه لا محالة أي في ظنه عليه السّلام اكتفاء بالأدنى ولا يضره احتمال كونه عالما به بقرينة صادقة أو الهام أو وحي لأن هذا ليس بقطعي والاكتفاء بالظن أولى . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 44 ] فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) قوله : ( اقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم ولإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر ) اقسموا بعزته لأن الباء للقسم على أن الغلبة لهم أي بمؤكدات للوثوق على أنهم ماهرون في هذا الفن لا يقاومهم أحد من الساحرين وهو كذلك في نفس الأمر السحرة بالتمويه أي التلبيس من موهت الشيء أي طلبته لما كان السحر باطلا والنبي لا يجوز له أن يأمر بالباطل كيف وقد أرسل للإرشاد إلى الحق وقمع الباطل حمل صيغة الأمر في ألقوا على معنى الإذن في تقديم الفعل . قوله : اقسموا بعزته وهي من إيمان الجاهلية وكذا كل حلف بغير اللّه ولا يصح في الإسلام إلا الحلف باللّه معلقا ببعض أسمائه وصفاته كقولك باللّه والرحمن وربي ورب العرش وعزة اللّه وجلال اللّه وعظمة اللّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تحلفوا بآبائكم وبأمهاتكم ولا بالطواغيث ولا تحلفوا إلا باللّه وأنتم صادقون ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء اللّه كلها وصفاته على شيء لم تقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف قوله تبتلع قال الجوهري لقفت الشيء بالكسر القفه لقفا وتلقفته أيضا ناولته بسرعة .
--> ( 1 ) ولا حاجة إلى الاعتذار بأن الممتنع هو رضا الكفر على طريق الاستحسان لا مطلق الرضاء وما اشتهر من قولهم رضاء الكفر كفر ليس على إطلاقه كما عليه المحققون من الفقهاء وأهل الأصول انتهى هذا عجب لأن رضاء الكفر على الحقيقة كفر مطلقا ولا أظن أن أحدا ذهب إلى خلافه ومراد المحققين من ذلك أن من طلب كفر الغير لغرض صحيح مثل قوله موسى عليه السّلام رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا للانتقام مثلا لا لأجل الرضاء فلا ضير فيه والرضاء غير متحقق في صورة ما من الصورة الجواز خصوصا هنا الإذن في التقديم لا الفعل نفسه وقد ذهلوا عن قول المص الإذن في تقديم ما هم فاعلوه الخ .