اسماعيل بن محمد القونوي
210
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أي موسى عليه السّلام لم يرعو أي لم ينته ولم ينكف من ارعوى بمعنى انتهى . قوله : ( شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل ) شرع في الاعتراض على دعواه أي دعوى وجود واجب الوجود ووحدانيته بقرينة قوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] وما تقدم الاعتراض على دعوى النبوة فلا إشكال فبدأ بالاستفسار الخ والمراد به ليس طلب الحق بل للتعنت « 1 » عن حقيقة المرسل ويصح إسناد الإرسال إليه تعالى لكن إطلاق المرسل عليه تعالى ليس بمعلوم في الشرع . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 24 ] قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قوله : ( عرفه بأظهر خواصه وآثاره ) تنزيلا لسؤاله عن الحقيقة منزلة السؤال عن خواصه تنبيها على أنه الأليق بحاله لما كان السؤال عن الحقيقة بقوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] أجاب بأنه تعالى رب هذه الأجرام المحسوسة فإنها تدل على أن له خالقا واجبا وجوده فإن هذا استدلال ببعض أفراد العالمين لكونها محسوسة ممكنة فلا يتوهم شائبة المصادرة بأن فرعون لما لم يعرف أن للعالم ربا فالجواب بأنه تعالى رب السماوات من قبيل إعادة الدعوى وفي تقرير المص إشارة إليه وبالجملة هذا استدلال بأن الكلام وكونهما رسولين بقوله : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [ الشعراء : 18 ] إلى آخره وثانيا بقوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] ولذلك جيء بالواو والعاطفة وتقرير الأول ألم نعرفك أما كنت عندنا رضيعا صغيرا ونحن ربيناك سنين كالأولاد وعرفناك أيضا كافر النعمة حيث جازيت تلك النعمة بقتل بعض خدمنا فمن أين أنت والرسالة فأنكر نبوته بتحقير شأنه وكفرانه النعمة وادمج فيه معنى الامتنان وأجابه موسى عليه السّلام بقوله : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 20 ] الآية مسلما مقتضاه ومثبتا رسالته ومبطلا انعامه يعني هب أني كنت كما تقول صبيا رضيعا عندكم قاتلا للنفس وذلك كيف يقدح في دعوى رسالتي لأن اللّه تعالى فاعل مختار يختص برسالته من يشاء فاختارني للرسالة ووهب لي حكما يعني أني كنت إذ ذاك غير عالم بالشرائع فوهب لي ربي معرفة من الأحكام وجعلني مرسلا ثم رجع إلى جواب ما أدمج اللعين في الاعتراض من الامتنان قائلا وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل فأبطله من أصله تبرئا من تلك الرذيلة التي نسبها اللعين إليه من كفران النعمة ثم رجع اللعين إلى قوم موسى رب العالمين بعدما القمه نبي اللّه الحجر في إنكار الرسالة مستفهما ومآرب العالمين يعني هب أنك رسول رب العالمين فما مرادك وما تعني بقولك رب العالمين وما قصدك في تخصيصه بالذكر اتعني به التعريض بإنكار الهيتي أم غير ذلك يدل عليه قوله بعد هذا : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] فأجاب عليه السّلام بما فيه إنكار الهيته وأن يكون رب العالمين تعريضا بقوله : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [ الشعراء : 24 ] إن كنت أنت وهؤلاء البهائم الذين اتخذوك إلها وسموك برب العالمين من الذين يحققون الأشياء بالنظر الصحيح الذي يؤديهم إلى الايقان .
--> ( 1 ) ليتفرع عليه أغراضه الفاسدة كما هو دأب المناظرين فأنى له ذلك .