اسماعيل بن محمد القونوي
184
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
هذا بالنظر إلى النوع المتحقق في ضمن فرد فرد ويدل عليه قوله وأصروا على ما كانوا عليه فإن الإعراض عن ذكر مجدد إنزاله قد تحقق قبل إتيانه في ضمن ذكر قبله لأن مدلولهما واحد فإذا أتى ذكر بعده وأعرض عنه ولم يلتفت إليه جدد الإعراض الذي تحقق قبله في ضمن ذكر سابق عليه فلا إشكال بأنه لا يتصور الإعراض عن شيء قبل وجوده وجه دفعه ظاهر مما قررناه . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 6 ] فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 6 ) قوله : ( أي بالذكر ) إن أريد به القرآن فالتكذيب ظاهر وإن أريد به الموعظة فتكذيبها إما راجع إلى تكذيب القرآن أو السنة . قوله : ( بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمنا في قوله : فَسَيَأْتِيهِمْ [ الشعراء : 6 ] ) بعد إعراضهم هذا مقتضى الفاء فالأولى عقيب إعراضهم بدل بعد إعراضهم أي كذبوا بالمقال واللسان عقيب تكذيبهم بالإعراض والجنان وفيه إشارة إلى شدة شكيمتهم حيث لم يكتفوا بالإعراض الذي تكذيب فعلي بل تجاسروا على التكذيب بالقول الذي يتضمن الاستهزاء ولذا قال وأمعنوا أي بالغوا فيه حيث ضموا التكذيب بالقول إلى التكذيب بالفعل قاصدين الاستهزاء وفي الكشاف « 1 » كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار عرضة للاستهزاء والسخرية فاختلاف الألفاظ وهي الإعراض والتكذيب والاستهزاء لاختلاف الأغراض فعلم من مجموع ذلك أن الفاء في قوله تعالى : فَسَيَأْتِيهِمْ [ الشعراء : 6 ] كتاب اللّه المجيد المستخرج للطائفة من قعر بحره الملتقط لدره بغوص فكره إلى رفعة منزلة سيدنا محمد صلوات اللّه عليه ونباهة قدره كأن التنزيل بجملته نازل لتسكين نادرته وتسلي حزنه وتثبت خلده ورباط جأشه وتهذيب أخلاقه وإرشاد أمته مع مراعاة ألفاظ التلويح والتعريض والرمز قوله أي كذبوا بالذكر بعد إعراضهم معنى البعدية مستفاد من الفاء التعقيبية في فقد كذبوا كأنه قيل حين اعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار عرضة للاستهزاء والسخرية لأن من كان قائلا للحق مقبلا عليه كان مصدقا به لا محالة ولم يظن به التكذيب ومن كان مصدقا به كان موقرا له . قوله : وأمعنوا في تكذيبهم بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به يعني تدرجوا حالا بعد حال اعرضوا أولا عن الذكر وكذبوه ثانيا وتوغلوا في التكذيب حتى أدى تكذيبهم إلى الاستهزاء به فالاستهزاء نتيجة التكذيب المسبب عن الإعراض فالفاء في قوله فسيأتيهم سببية وهي فاء فصيحة لأن مدخولها وعيد للمستهزىء والوعيد مسبوق بحصول الاستهزاء فكان المعنى اعرضوا فكذبوا واستهزؤوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ .
--> ( 1 ) قال في الكشاف فإن قلت كيف خولفوا بين الألفاظ والغرض واحد وهي الإعراض والتكذيب والاستهزاء قلت إنما خولف بينها لاختلاف الاغراض كأنه قيل حين اعرضوا عن الذكر إلى آخر ما ذكر في أصل الحاشية .