اسماعيل بن محمد القونوي

144

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المقام وأيضا المعنى الثاني مذكور في المواضع الكثيرة قوله لمن أراد أن يذكر يرجح المعنى الأول نعم المعنى الثاني أدل على وحدانيته تعالى وادعى إلى العبادة وسجود الرحمن وفيه توبيخ على نفورهم عن الإيمان وسجدة الرحمن كما أن الآية الأولى مسوقة لذلك وهي للحالة أي المصدر للنوع من خلف بمعنى الخلافة أو التعاقب . قوله : ( أن يتذكر آلاء اللّه ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد ) أن يتذكر فأدغم فصار أن يذكر آلاء اللّه أي نعم اللّه تعالى دنيوية وأخروية روحانية أو جسمانية كسبية أو موهبية وتذكرها بأنواع العبادات والاجتناب عن المنكرات في الليالي والنهار حتى إذا فاته ما يعمل في النهار يعمله في الليل وبالعكس وبهذا يتضح حسن المعنى الأول في خلفة قوله ويتفكر في صنعه أي حذف المفعول للتعميم إلى التذكر والتفكر في نعم اللّه تعالى وفي صنعه التذكر يتنوع بالإضافة « 1 » فبالنسبة إلى آلاء اللّه تعالى يتحقق في العبادات البدنية والمالية وبالإضافة إلى صنعه ومصنوعاته يوجد في التفكر والنظر الصحيح المفيد للعلم الصريح ولذا قال فيعلم أنه لا بد الخ وفيه قوله : أن يتذكر آلاء اللّه ويتفكر في صنعه إلى آخره قال صاحب الكشاف عن أبي بن كعب يتذكر والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أنه لا بد لانتقالهما من حال إلى حال وتغيرهما من ناقل ومغير ويستدل بذلك على عظم قدرته ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال عز وجل : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته ورده في أحدهما من العبادة قام به في الآخر وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب وفي النهاية استعتبه طلب أن يرضى عنه كما تقول استرضيته ومنه الحديث لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد وإما مسيئا فلعله استعتب أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضى ومنه الحديث ولا بعد الموت من مستعتب أي ليس بعده استرضاء وكلمة أو في قوله عز وجل : أَوْ أَرادَ شُكُوراً [ الفرقان : 62 ] للتخيير والإباحة كما في قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] أو للجمع كما في قوله سبحانه : عُذْراً أَوْ نُذْراً [ المرسلات : 6 ] ومن ثمة أتى صاحب الكشاف بالواو في موضعين حيث قال لينظر ويشكر وقال في وقتين للمتذكرين والشاكرين قال الطيبي في قوله لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا تعريضا بأن الذين قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا أبوا التفكر في آيات اللّه جحودا وعنادا وامتنعوا عن الشكر عتوا واستكبارا وتصريح بأن الذين توسموا بعباد الرحمن على خلاف ذلك قال الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وقال الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ليقابل قولهم أنسجد وقوله وزادهم نفورا وقال الإمام إنه تعالى لما حكى عن الكفار مزيد النفرة من السجود ذكر بعده ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود أو العبادة فقال : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [ الفرقان : 61 ] يعني أن الذين قالوا وما الرحمن ما تفكروا في هذه القدرة وما شكروا هذه النعمة .

--> ( 1 ) فلا إشكال بأنه جمع بين المعنيين إما بالاشتراك اللفظي أو بالحقيقة وكلاهما مختلف فيهما بل أراد معنى مشتركا بين المعنيين اشتراكا معنويا تدبر .