اسماعيل بن محمد القونوي
125
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
إلى ارتباطه بما قبله وتمهيد لما بعده قوله والاجتهاد في الدعوة فإن هذا لازم مع أنه صعب لكثرة المخالفين المعاندين فلا يكون الشكر على نعمة جليلة وهي قصر الرسالة عليه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إلا بإعلاء كلمة اللّه وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناطقة قهرا أو اختيارا . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 52 ] فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) قوله : ( فيما يريدونك عليه ) أي يحملونك عليه والمراد أن الكفار يجتهدون في توهين أمرك فقابلهم بالاجتهاد فيما تغلبهم به وتعلوهم نقل عن الأساس أنه قال أراده على كذا إذا حمله عليه فعلى هذا يكون المعنى فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يحملونك عليه من قولهم لك متعنا باللات سنة وأن تحرم وأدينا كما حرمت مكة وغير ذلك مما بينه المص في تفسير قوله تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [ الإسراء : 73 ] الآية الفاء في فلا تطع لترتيب ما بعده وهو عدم الإطاعة والمجاهدة بالقرآن فمدخول الفاء جملة لا تطع مع ما عطف عليها ولا ريب في أن المجاهدة بالقرآن مرتب على هذه النعمة بل ترك إطاعة الكافرين مرتب على هذه النعمة الجسيمة ولا حذف في الكلام حتى يتكلف في مجيء الفاء في فلا تطع دون الواو قول المص فقابلهم ليس إشارة إلى أنه محذوف ومعطوف عليه لقوله فلا تطع بل غرضه أن هذا مفهوم من عرض الكلام إذ ذكر النعمة العظيمة ترغيب إلى المقابلة بالشكر المناسب لتلك النعمة فلا وجه للتكلف الذي ارتكبه الفاضل المحشي دفعا لإشكال بعض الأهالي . قوله : ( وهو تهييج له وللمؤمنين ) أي تحريك على دوام ما كان عليه وكذا قول المص فقابلهم تهييج أيضا قوله وللمؤمنين إشارة إلى جواب « 1 » آخر وهو أن المراد بالخطاب له قوله : فيما يريدونك عليه قال الطيبي رحمه اللّه وفي قوله ولا تطع الكافرين فيما يريدونك عليه إشارة إلى أن قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً [ الفرقان : 51 ] متصل بقوله : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [ الفرقان : 43 ] لأنه إنكار على حرصه على إسلامهم وتهالكه فيه حيث كان يبذل فيه وسعه ومجهوده وبلغ ذلك إلى أن خوطب بقوله : لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [ الإسراء : 74 ] وبقوله : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ الإسراء : 73 ] فكذلك قال أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون أي أتحسب أنك إن أطعتهم فيما يريدونك عليه يسمعون قولك أو يعقلون الآيات ويشكرون نعم اللّه عليهم فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا ألا ترى كيف غفلوا عن أظهر الأشياء دلالة وهو مد الظل وقبضه وغمضوا أعظم النعم كفرانا وهو جعل الليل لباسا والنهار نشورا وإرسال الرياح وإنزال الماء لإحياء أراضيهم واستقاء مواشيهم وإذا كان كذلك كيف تطيعهم فيما يريدونك عليك كأنك لم تستقل بأعباء النذارة ولو شئنا لخففنا عنك وإنما قصرنا الأمر عليك تفضيلا لك على سائر الرسل فقابل ذلك بالصبر والجهاد ولا تطعهم فيما يريدونك عليه وجاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا .
--> ( 1 ) قوله في تفسير فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * يؤيد ما ذكرناه .