اسماعيل بن محمد القونوي
378
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بالتشبيه الذي يفهم من الكاف أي شبه المفكرة بالشجرة لتأديها إلى ثمرات معنوية غير متناهية كما أن نوع شجرة مباركة لها ثمرات حسية لا نهاية لها بمعنى لا تقف عند حد . قوله : ( والزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية ) والزيتونة عطف على شجرة أي شبه القوة الفكرية بالزيتونة خاصة بعد تشبهها بالشجرة المباركة هذا مقتضى كلامه ولا يخفى ما فيه إذ الزيتونة كما عرفت بدل منها لتجردها أي القوة المفكرة عن اللواحق والعوارض كما أن الزيتونة متجردة عن العوارض المانعة من الجودة ومن كمال النضج ومن كونها محرقة وباقية نيا . قوله : ( أو لوقوعها « 1 » بين الصور والمعاني ) بين الصور المشابهة بالشرق في الظهور والمعاني التي هي « 2 » المشابهة بالغرب . قوله : ( متصرفة في القبيلتين منتفعة من الجانبين ) أي الصور والمعاني بالتركيب مرة والتحليل وقد مر أن القوة المفكرة تؤلف المعقولات وهذا يفيد أنها تؤلف المعقولات والمحسوسات وفي شرح المواقف والقوة المتخيلة وهي القوة التي تتصرف في الصور المحسوسات والمعاني الجزئية المنتزعة منها وتصرفها فيها بالتركيب تارة وبالتفصيل أخرى ثم قال وهذه القوة إذا استعملها العقل في مدركاتها بضم بعضها إلى بعض أو فصله عنه سميت مفكرة انتهى فعلم منه أن المفكرة من حيث إنها مفكرة لا تقع بين الصور والمعاني بل شأنها تأليف المعقولات بعضها مع بعض كما صرح به فيما سبق إلا أن يقال اعتبرها هنا كونها متخيلة وهناك كونها مفكرة لكن تسامح في التعبير وعبر بالقوة المفكرة عن القوة المتخيلة لاتحادهما ذاتا فلا تغفل « 3 » . قوله : ( والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعليم ) تضيء والمناسب للمشبه به يكاد يضيء لكن الأمر هنا ما ذكره المص فالجامع بينهما لا يكون متحدا « 4 » ففي هذا الوجه الكلام محمول على التشبيه في المفردات وإطلاق التمثيل على مثل هذه غير متعارف وإن صح استعماله فيها بطريق التشبيه المفروق وهو أن تأخذ أشياء فرادى فتشبهها بأمثالها كما عرفت مفصلا وهذا البحث قد سبق مفصلا في سورة البقرة في قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] الآية حيث قال ويمكن جعلهما من قبيل التمثيل المفرد فعلم منه صحة إطلاق التمثيل على التشبيه المفرد .
--> ( 1 ) فيه إشارة إلى أن معنى كونها لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ كونها متوسطة بين شرقية وغربية فلا وجه لما قاله أبو حيان كما مر بيانه . ( 2 ) أي المعاني كالغرب في الخفاء . ( 3 ) إشارة إلى أن فيه نوع تعقيد وضعف . ( 4 ) إلا أن يقال إن قوله من غير تفكر ولا تعليم يفيد ما افاده كلمة يكاد فحينئذ الجامع يكون متحدا وما سيأتي وإن كان بقوة قدسية فكالذي يكاد زيتها يضيء أوضح من هذا وفي بعض النسخ يكاد يضيء فالمراد يقرب قربا مقارنا لفعل فتأمل .