اسماعيل بن محمد القونوي
379
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها ) في مراتبها « 1 » أي مراتب القوة العقلية وهي أربع العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات أشار إليها بقوله فإنها في بدء أمرها الخ كما للأطفال فإن لهم في هذه الحالة الطفولية وابتداء الخلقة استعدادا محضا ليس معه إدراك « 2 » وليس هذا الاستعداد حاصلا لسائر الحيوانات . قوله : ( كالمشكاة ) أي شبه القوة العقلية في بدء أمرها بالمشكاة فكما أن المشكاة خالية عن الضياء الحسي لكنها قابلة له « 3 » كذلك العقل الهيولاني خالية عن الإدراك . قوله : ( ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات ) أي المرتبة الثانية لها قوله : أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك أي أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها الأربع التي هي مرتبة العقل الهيولاني ومرتبة العقل بالملكة ومرتبة العقل المستفاد ومرتبة العقل بالفعل بذلك أي بتلك الخمسة المذكورة في الآية من المشكاة والزجاج والمصباح والشجرة والزيت والأبلغ هنا أيضا أن يكون التشبيه من باب التشبيه التمثيلي فيحمل على تشبيه المركب من الأمور بالمركب مثله ولذا اختار لفظ التمثيل هنا أيضا وأشار رحمه اللّه أيضا إلى وجه التشبيه في التشبيهات الواقعة في هذه المراتب وتقريره أن القوة العاقلة في بدء أمرها خالية عن العلوم كلها لكن قابلة لها فهي في هذه المرتبة يسمى عقلا هيولانيا وبهذا الاعتبار تشبه بالمشكاة التي لا نور لها في حد ذاتها ثم إذا حصلت الضروريات عندها وتمكنت من تحصيل النظريات فلها في ذلك التمكن ثلاثة درجات الدرجة الأولى أن يكبر ذلك التمكن بفكر واجتهاد والدرجة الثانية أن يكون يحدس وهي بحسب الدرجة الأولى يشبه بالزجاجة وبحسب الدرجة الثانية يشبه بالزيت ويسمى في هاتين الدرجتين عقلا بالملكة والدرجة الثالثة أن يكون ذلك التمكن بالقوة القدسية فهي بحسب الدرجة تشبه بالتي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ولها في هذه الدرجة حالتان الحالة الأولى تمكنها من استحضار العلوم متى شاءت وهي تسمى بحسب هذه الحالة عقلا مستفادا ويشبه بالمصباح والحالة الثانية أن تكون العلوم عندها حاضرة بالفعل بحيث لا تغيب عنها أصلا فهي بحسب هذه الحالة تسمى عقلا بالفعل ويشبه بنور على نور وأما وجه الشبه في هذه التشبيهات فظاهر لمن تأمل فإنه في تشبيه القوة العاقلة بالمشكاة الخلو عن الصور والاستعداد بقبولها وفي تشبيهها بالزجاجة التلألؤ وقبول النور وفي تشبيهها بالزيتونة العمل والاجتهاد وفي تشبيهها بالزيت سرعة قبول النور وفي تشبيهها بالشجرة التي يكاد زيتها يضيء وإن لم تمسسه نار شدة الاستعداد بقبول النور بلا واسطة وفي تشبيهها بالمصباح حصول النور عندها وفي تشبيهها بنور على نور اجتماع القدرة مع الفعل بناء على أن القدرة على استحضار العلم متى شاءت هي عين النور فيتكرر النور .
--> ( 1 ) وهذا تشبيه مفرق لا تمثيلي كما قيل وإنما ولي الكاف المشكاة من بين المشبه بها لأنها اعتبرت ظرفا للمصباح والزجاجة الموصوفة فحسن إيراد المشبه به بأداة واحدة . ( 2 ) يرد عليه ظاهرا أن الطفل يدرك أمه وجوعه ونحوه فتدبر . ( 3 ) كون المشكاة قابلة للضياء القائم بها منظور فيه فالمشابهة بينها وبين العاقلة خفية إذ العاقلة موصوفة بالإدراك بذاتها بعد الخلو عنها دون المشكاة .