اسماعيل بن محمد القونوي

363

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ويقرب منه الخ لكن لما كان الأول خاصا بالعلوم والثاني عاما لها ولغيرها قال ويقرب منه ولم يقل وهذا عين ما قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وفيه إشارة إلى وجه آخر في معنى كون اللّه تعالى نور السماوات والأرض وهو كونه تعالى هادي من فيهما بهداية يوصل إلى المطلوب لأن الهداية المعبر عنها بالنور هي الهداية الموصلة إلى البغية « 1 » وإلى ذلك أشار بقوله فهم أي أهل السماوات بنوره أي بهدايته يهتدون إلى الحق اليقين وأهل السماوات برمتهم وأهل الأرض بالنسبة إلى السعداء الواصلين ولو عمم الهداية لكان أهل الأرض مهتدون بأجمعهم فذكر في توجيه قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] وجوها كثيرة بعضها « 2 » أرجح وبعضها راجح وبعضها ضعيف وبيان ذلك يؤدي إلى طول الكلام بحيث يكل دونه الأفهام لكن الأفضل للأقدم فالأقدم واللّه تعالى أعلم « 3 » . قوله : ( وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه ) إليهما أي إلى السماوات والأرض مع أنه بجميع احتمالاته نور لجميع الموجودات بل المعدومات في بعض الاحتمالات للدلالة على سعة إشراقه لأنهما مثلان في السعة كقوله تعالى : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ [ آل عمران : 133 ] لا لتخصيص النور بهما كأنه قيل اللّه نور جميع الموجودات مع سعة إشراقه بإضافة النور إليهما . قوله : ( أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية ) الحسية كنور الكواكب والعقلية كالملائكة « 4 » والأنبياء عليهم السّلام فيراد بهما العالم كله إذ العالم لا يخلو عن الأنوار الحسية أو العقلية فذكر الجزء وأريد الكل كإطلاق المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة وإطلاق البعض على الكل وإن لم يكن الكل مركبا تركيبا حقيقيا صحيح كناية أو مجازا فما قاله النحرير في التلويح من أنه يشترط في ذلك أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا أغلبي أو غير مسلم قال في تفسير قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [ آل عمران : 5 ] الآية أي شيء كائن في العالم كليا كان أو جزئيا قوله : وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أي للدلالة على سعة إشراق نوره وفشو إضاءته يعني أن إشراقه وإضاءته في السعة والغلبة بحيث يستضيء به جميع هذه الإجرام العظام الواسعة الأقطار . قوله : أو لاشتمالها على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول بهما أقول لا يناسب هذا الوجه جعل النور خبرا وإنما يناسبه جعله مبتدأ واللّه خبرا لكن كون لفظة اللّه مبتدأ متعين لكون المبتدأ والخبر معرفتين فليتدبر .

--> ( 1 ) لأن الهداية هي الدلالة إلى البغية والمطلوب أعم من العلم والمعلوم . ( 2 ) وإن أردت العموم بجميع الاحتمالات فعليك بعموم المجاز أي اللّه من يطلق عليه لفظ نور السماوات . ( 3 ) ويمكن أن يقال إن كون اللّه نورا صفة له تعالى أصلها معلوم وكيفيته مجهولة فلا تشتغل بتأويله وهو مذهب السلف ولا أدري وجه عدم التفاته إلى هذا الوجه الا حكم واللّه تعالى أعلم . ( 4 ) أي كنور الملائكة .