اسماعيل بن محمد القونوي

189

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كما هو مقتضى السوق والتعميم خلاف مذاق الكلام وإنما اختير هنا فاتقون وفي سورة الأنبياء فاعبدون إذ العبادة هي مبدأ السلوك وهي المناسب للمتوالدين الذين هم المخاطبون هناك على قول والتقوى هي منتهى السلوك وهي المناسب للأنبياء المخاطبين هنا أو للتفنن الذي هو من شعب البلاغة إن قيل إن المخاطبين هم الأنبياء في الموضعين . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 53 ] فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) قوله : ( فيقطعوا أمر دينهم وجعلوه أديانا مختلفة أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع الخافض أو التمييز ) أمر دينهم بتقدير المضاف أو إشارة إلى أن المراد بالأمر الدين فالإضافة بيانية قوله فتقطعوا للإشارة إلى أن تقطع هنا بمعنى قطع مثل تقدم بمعنى قدم وجعلوه أديانا مختلفة بيان تقطيع أمر دينهم أو تفرقوا الخ فعلى هذا التفعل على بابه قوله بنزع الخافض أي في أمر دينهم أو التمييز عند من جوز تعريفه وهم الكوفيون أخره لضعفه . قوله : ( والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها ) لما دل عليه الأمة دلالة التزامية إن أريد بالأمة الملة وهو الراجح عنده أولها أي للأمة إن أريد بها الجماعة ولا مساغ لكونه للأنبياء إذ التقطع منهم محال . قوله : ( قطعا جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الياء فإنه جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو أو مفعول ثان لتقطعوا فإنه يتضمن معنى جعل ) وهو حال من أمرهم هذا إشارة إلى رجحان القول الأول لتقطعوا ولم يتعرض لكونه حالا من الواو لكون التفسير الثاني مرجوحا عنده والحال حال مؤكدة ولذا لم تذكر في سورة الأنبياء قوله ويؤيده أي كونه جمع زبور بمعنى الفرقة بفتح الباء الخ وهذا إشارة إلى قوله : فتقطعوا أمر دينهم هذا التفسير مبني على استعمال تقطعوا متعديا ولذا قال في بيانه وجعلوه اديانا مختلفة وقوله أو تفرقوا وتحزبوا مبني على استعماله لازما أي فكانوا فرقا كثيرا وأحزابا مختلفة فالتفرقة على الأول صفة الأديان وعلى الثاني صفة أصحابها وهم الأمم فيكون انتصاب أمرهم على الثاني بنزع الخافض أي في أمرهم ودينهم والضمير لما دل عليه الأمة أي ضمير الفاعل في فتقطعوا والضمير المضاف إليه في أمرهم على الوجه الثاني راجع إلى ما دلت عليه الأمة إن كانت هي بمعنى الملة والدين فإن الملة تدل على أصحابها التزاما وإلى الأمة نفسها إن كان المراد بها المعنى المتعارف وهو الجماعة وعلى التقديرين يرجع إلى أرباب الدين . قوله : وهو حال من أمرهم أو من الواو أي زبرا حال من مفعول تقطعوا وهو أمرهم أو من فاعله وهو الواو فالمعنى على الأول فتقطعوا أمر دينهم مقدرا كونه قطعا فيكون حالا مقدرة وعلى الثاني فتقطعوا كائنين قطعا فيكون أيضا حالا مقدرة فالمعنى تقطعوا وتحزبوا مقدرين على أنفسهم أن يكونوا قطعا متفرقين وأحزابا مختلفين والاحتمال الأول مبني على كون التقطيع متعديا والثاني على كونه لازما . قوله : أو مفعول ثان لتقطعوا فإنه يتضمن معنى جعل فالمعنى فجعلوا أمر دينهم زبرا منقطعين إياه قطعا .