اسماعيل بن محمد القونوي

603

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لم ينتفع به لعدم انقيادهم فإنما أوتي من قبل نفسه حيث ضيع نصيبه من هذه النعمة العظمى بل ازداد كفرهم وخسارتهم لفساد مزاجه وبطلان حواسه وفي الكشاف ومثاله أن يفجر اللّه تعالى عينا غديقة فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا انتهى « 1 » وفيه رمز خفي إلى أنه عليه السّلام كالأنهار وما جاء به كالماء العذب الفرات إلى آخر البيان . قوله : ( وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال ) فيكون رحمة لهم أيضا بالفعل مرضه لأن كونه رحمة بالنسبة إلى إحياء الموتى بالإرشاد إلى طريق المولى وأيضا كونه رحمة بالنسبة إلى الموحدين لما بعث به كما عرفت وكونه رحمة بالنسبة إلى الكفار بالنسبة إلى ذاته حينئذ فإرادة المعنيين في إطلاق واحد مشكل ثم قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ [ الأنبياء : 107 ] جملة ابتدائية سيقت لتقرير قوله تعالى : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً [ الأنبياء : 106 ] الخ لأنه بمنزلة التعليل له : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] لأن ما أخبرتهم فيه كفاية إلى الوصول إلى البغية البهية . قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 108 ] قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) قوله : ( أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد ) أشار إلى أن إنما يوحى متضمن معنى ما وإلا ولذا يفيد القصر لا مطلقا إذ الوحي أكثر من أن يحصى بل بالنسبة إلى المقصود ولذا قال المصنف وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد إشارة إلى ما ذكرناه وللاهتمام بشأنه أمر رسوله بأن يقول لهم ذلك . قوله : ( فالأولى لقصر الحكم على الشيء ) فالأولى أي كلمة إنما بكسر الهمزة لقصر فإنما أوتي من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها ومثاله أن يفجر اللّه عينا غديقة فيسقي قوم زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا فالعين المفجرة في نفسها نعمة من اللّه تعالى ورحمة للفريقين ولكن الكسلان جعلها محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها . قوله : فالأولى لقصر الحكم على الشيء والثانية على العكس مثال قصر الشيء على الحكم على الشيء إنما زيد قائم ومعناه ما زيد إلا قائم وهو من تخصيص الموصوف بالصفة أي ليس له صفة إلا القيام ومثال قصر الشيء علم الحكم إنما يقوم زيد ومعناه ما يقوم إلا زيد وهو من تخصيص الصفة بالموصوف أي صفة القيام لا يتعدى زيدا فمعنى كلمة إنما الأولى ههنا قصر حكم الوحي على تفرد الإله بالوحدانية فالمعنى ما يوحى إلي إلا انفراد إلهكم بالوحدانية لا شركته أي أوحي إلي أنه واحد لا متعدد فالمقصور هو الوحي إلى النبي والمقصور عليه هو تفرد الإله بالوحدانية ومعنى إنما الثانية قصر الإله على حكم الوحدانية فالمعنى ما إلهكم إلا واحد لا متعدد

--> ( 1 ) تمامه فالعين المفجرة في نفسها نعمة من اللّه تعالى ورحمة للفريقين ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها انتهى نظيره القرآن فإنه هدى للناس كافة لكن الكافرين لم ينتفعوا به بل ازداد به خسرانهم .