اسماعيل بن محمد القونوي
400
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
منه قدم عليه للاهتمام قوله : أو ما فَغَشِيَهُمْ [ طه : 78 ] أي أو الفاعل فيكون المفعول الثاني من اليم أي بعض اليم كما مر أو فرعون فيكون مجازا في الإسناد قوله لأنه ورطهم أي ألقاهم ورغبهم للهلاك أصل التوريط كالايراط القاء الورطة أي الهلاك فذكر الهلاك بعده بناء على التجريد كما أشرنا إليه . قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : آية 79 ] وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ( 79 ) قوله : ( أي أضلهم في الدين وما هداهم ) حمله عليه أولى لأن الاضلال والضلال في عرف الشرع ما هو في الدين لا يعدل عنه إلا بقرينة قوية مع أن ما سبق من المعارضة في الدين يؤيد هذا فح يكون وما هدى تأكيدا له قصد به التهكم ولهذه الفائدة حصل المغايرة في الجملة فيحسن العطف ووجوب الفصل في التأكيد إذا لم يكن فيه فائدة أخرى وأيضا فيه بيان أن إضلاله ليس بمشوب بالهدى قطعا مثل قوله تعالى : يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [ الشعراء : 152 ] قوله وما هداهم إشارة إلى أن المفعول حذف للفاصلة فجعله منزلا منزلة اللازم أو جعل هدى بمعنى اهتدى لا يوافق تقرير المص وإن كان صحيحا في نفسه ودافعا لتوهم التكرار . قوله : ( وهو تهكم به ) فإن قلت التهكم أن يؤتى بما قصد به ضده استعارة ونحوها وكونه لم يهد مجرد إخبار عما هو كذلك في الواقع نقل عن الانتصاف أنه قال هو كذلك ولكن العرف في مثله يدل على أن كونه عالما بطريق الهداية مهتديا في نفسه لكنه لم يهتد وفرعون ليس كذلك فلما ذكر كونه مضلا تعين كون هذا المعنى سواه وهو التهكم وهذا معنى لطيف فاحفظه انتهى ويرد عليه أنه لو سلم ذلك قوله وأضل مانع عن حمله على هذا وأيضا منقوض بنحو قوله تعالى : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى [ النجم : 2 ] ونظائره كثيرة فالأولى ما ذكره الفاضل المحشي وهو أن المراد بالتهكم المعنى اللغوي فإنه في اللغة بمعنى الاستهزاء والطعن . قوله : ( في قوله : وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 29 ] ) أشار به إلى أن الآية من قبيل التلميح وهو إشارة إلى قصة أو حال في أثناء الكلام وهنا أشير إلى قول فرعون : وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 29 ] وبما تضمنه من الاستهزاء فإنه ادعى أنه يهدى إلى سبيل الرشاد وأن هدايته منحصرة في طريق الرشاد فنفى اللّه تعالى عنه الهداية استهزاء . قوله : ( أو أضلهم في البحر وما نجا ) أي أوقعهم في البحر ضلالا وخطأ حيث اتبعهم قوله : وهو تهكم به في قوله : وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 29 ] وتوضيح معنى التهكم أن قوله : وَما هَدى [ طه : 79 ] من باب التلميح والتهكم وهو أن يشار بأثناء الكلام إلى قصة أو حال فإن مجيء وَما هَدى [ طه : 79 ] إشارة إلى ادعاء اللعين إرشاد القوم في قوله : وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 29 ] فهو كمن ادعى دعوى وبالغ فيها فإذا جاء وقتها ولم يأت بها قيل له ما أتيت بما ادعيت تهكما .