اسماعيل بن محمد القونوي
40
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اللّه تعالى إياها فيهم أو الهيبة الحسية المسببة عن عظم إجرامهم وانفتاح عيونهم في كلامه طاب اللّه ثراه إشارة إلى جميع ما ذكرناه وفي جعل الذات علة للشيء مع أنها لا تصلح للعلية إشارة إلى تعدد العلل وكثرتها كأن نفس الذات لاحتوائها عللا علل شتى وإلى أنه يمكن للسامع النظر إلى أية علة أراد في تحصيل المراد . قوله : ( لما ألبسهم اللّه من الهيبة ) علة للمجموع ويحتمل التخصيص بالأخير فيقدر في التولي أيضا وإلباس الهيبة استعارة تمثيلية أو مكنية وتخييلية أو استعارة تبعية . قوله : ( أو لعظم إجرامهم وانفتاح عيونهم ) إجرامهم أي أجسامهم ولو عبر بها لكان أولى فإن أجساد الناس كانت عظيمة في الأمم السالفة وفي زمن دقيانوس وفي نسخة أجوافهم أي خلقة واحتمال كونه بالانتفاخ ضعيف لقوله بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار وترك قول الزمخشري لطول شعورهم وأظفارهم لأن كونها منشأ الرعب غير ظاهر مع أنه لا يلائمه قولهم : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [ الكهف : 19 ] والخطابات إن كانت للنبي عليه السّلام اقتضى وجودهم على هذه الحالة وقد قال السهيلي إن فيه خلافا وابن عباس أنكره وآخرون قالوا به والظاهر أن الكلام محمول على الفرض أشار إليه المصنف فيما مر بقوله لو رأيتهم فلا يقتضي وجودهم على هذه الحالة الآن ولا عدمه ولا يتعلق به الغرض أصلا فالسكوت عنه أولى وإن كانت لغير النبي عليه السّلام فالأمر ظاهر . قوله : ( وقيل لوحشة مكانهم ) فيكون التقدير ولملئت رعبا من وحشة مكانهم بتقدير المضافين ولا يخفى ضعفه وأيضا لا يلائم قوله : لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً [ الكهف : 18 ] إلا بتقدير المضافين أيضا أي لوليت من وحشة مكانهم وهذا مما يقشعر منه الجلود . قوله : ( وعن معاوية رضي اللّه تعالى عنه أنه عرى الروم فمر بالكهف ) وهذا يقوي قول من قال إنه بطرسوس ويضعف ما قاله أبو حيان من أنه باندلس لأن معاوية لم يدخلها ولا يخفى أن ذلك خبر الآحاد فلا يفيد القطع . قوله : ( فقال لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم ) جوابه محذوف أي لكان زيادة في الاطمئنان أو للتمني هذا مع المحبة والرغبة ولهذا بعث ناسا للكشف . قوله : ( فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما ) تذكيرا واخطارا له إذ يبعد أن يكون غافلا عما يقوله ابن عباس أو ادعى أنه لا يفهم من قوله : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ [ الكهف : 18 ] الآية المنع بل المراد تفخيم أمرهم وتفخيم شأنهم وأما ابن عباس رئيس المفسرين فهم من ذلك منعه من ذلك الاطلاع عليهم ودخول كهفهم لو قدر إذ لا وجه للاطلاع على موضع يوجب فرارا لمطلع سيما النبي عليه السّلام فإنه أشد الناس شجاعة « 1 » وإن أمكن أن يقال إن المراد لازمه وهو بيان هيبتهم دون الفرار حقيقة .
--> ( 1 ) فالمراد نهي عن الاطلاع بطريق اللزوم فإن هذه الجملة أي جملة لو اطلعت يلزم منها النهي لما ذكرناه في أصل الحاشية .