اسماعيل بن محمد القونوي
388
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قد تكون للجنس وهو كالنكرة لأن هذا احتمال بعيد لأنه ذكر السحر في قوله : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ [ طه : 66 ] الآية فإذا كان محلى باللام يتبادر العهدية وأما الحمل على التحقير فلا يناسب المقام إذ المقام لبيان أنه أمر مموه لا حقيقة له ولذا بطل ولم يبق لا بيان حقارته بل المقام ينبغي له بيان عظمه ومع ذلك يبطله عويدة كما نبه عليه المص وقد وصف به في قوله تعالى : وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : 116 ] ولما وصف به في النظم الكريم فالقول بجواز حقارته من وجه آخر اشتغال بما لا يعنيه إذ إبطال العظيم يناسب المقام . قوله : ( كقول العجاج يوم ترى النفوس ما أعدت في سعي دنيا طالما قد مدت كأنه قيل إن ما صنعوا كيد سحري ) يوم ترى الخ وهو يوم القيامة ما أعدت أي ما قدمت وجعلته عدة وبعده من نزل إذ الأمور غبت في سعي دنيا طالما قد مدت وغبت بمعنى صارت في سعي دنيا متعلق بغبت ومحل الاستشهاد تنكير دنيا لتنكير المضاف وهو السعي وليس تنكير دنيا للضرورة كما ذهب إليه أبو حيان إذ الدنيا تأنيث أدنى افعل التفضيل وهو لا يؤنث إلا إذا عرف بالألف واللام والإضافة ورد بأنه ورد في الحديث الصحيح ومن كان هجرته إلى الدنيا يصيبها الحديث فكيف يحمل على الضرورة كأنه قيل إن ما صنعوا كيد سحري منسوب إلى جنس السحر لا يختص بسحر دون سحر . قوله : ( حيث كان ) أي حيث وجد فأتى بمعنى وجد وحيث لتعميم الأمكنة . قوله : ( وأين أقبل ) للمبالغة في التعميم وأين كحيث ظرف مكان . قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : آية 70 ] فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 ) قوله : ( أي فألقى فتلقف فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو آية من آيات اللّه ومعجزة من معجزاته فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا للّه وتوبة عما صنعوا وإعتابا وتعظيما لما رأوا ) أي فألقى موسى عصاه كما أمر فانقلبت العصا حية فتلقف ما صنعوا فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فتحقق عند السحرة أنه أي التلقف ليس الخ فألقاهم ذلك أي ذلك التلقف أشار به إلى أن الفاء في فألقى فصيحة والمقدر المعطوف عليه ما ذكرناه وقد ذكر في سورة الأعراف فإسناد الإلقاء إلى التلقف مجاز والملقي هو اللّه تعالى قوله : عَلى وُجُوهِهِمْ [ الإسراء : 97 ] إشارة إلى أن المراد السجود الشرعي قيل في قوله : ( فألقاهم ) الخ إشارة إلى أن تكرير لفظ الإلقاء والعدول عن فسجدوا له مع المشاكلة والتناسب أنهم لم يتمالكوا حتى وقعوا سجدا توبة عما صنعوا وهو السحر أو الكفر قوله : أي فَأَلْقى [ الأعراف : 107 ] فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر يعني أن الفاء في قوله : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ [ طه : 70 ] هي التي تسميها علماء المعاني فاء فصيحة لإفصاحها عن المعطوف عليه المحذوف فإن إلقاء السحرة سجدا إنما وقع بعد إلقاء موسى عصاه وتلقفها ما صنعوا والتحقيق عندهم أن أمر موسى ليس بسحر لا بعد الأمر بإلقاء موسى العصا على الفور .